كلها توجهات أصيلة، صادرة صدورا مباشرا عن الكيان الإنساني الشامل المترابط، وليس أحدها انعكاسا لغيره من توجهات ذلك الكيان، وإن كانت كلها تتأثر ببعضها البعض ويؤثر بعضها في بعض، بدرجات مختلفة، تعتمد على مساحة الدافع في النفس، ونوعية الفرد أو الجماعة أو الجيل موضع الدراسة، والظروف المادية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تواجهه، مما يوجد الاختلاف بين فرد وفرد، وجماعة وجماعة، وجيل وجيل ..
وهنا قد يبدو أن التفسير الليبرالي يقترب من التفسير الإسلامي، لأنه يعطي اعتبارًا لهذا المعنى أكبر مما يعطي التفسير المادي الشرقي للمعنى ذاته، إذ يحصر هذا الأخير اهتمامه في الجانب المادي والاقتصادي ويجعله هو الأصيل وحده، وبقية الدوافع والإنجازات تبعا له.
ولكن الحقيقة أن الاختلاف عميق الجذور بين التفسير الإسلامي والتفسير الليبرالي كما هو عميق الجذور بينه وبين التفسير المادي الشرقي .. فمع أن التفسير الليبرالي أفسح صدرا بدوافع الإنسان في مجموعها وأكثر اعترافا بأصالتها الذاتية، إلا أن المساحة التي يعطيها للعنصر الديني والعنصر الأخلاقي في الإنجاز البشري أضأل بكثير من حقيقتها -وخاصة بالنسبة لفترات الهدى التي يهملها هذا التفسير إهمالا مقصودا كما أشرنا من قبل- ثم إن التقويم الأخلاقي لتاريخ الإنسان منعدم فيه أو شبه منعدم، تأثرا بالضلالتين المتناقضتين اللتين يصدر عنهما هذا التفسير، وهما نظرته إلى الإنسان مرة بعين الداروينية التي تراه حيوانا متطورا ولا زيادة، ونظرته إليه مرة بعين الإنجاز العلمي والتكنولوجي على أنه إله لا يسأل عما يفعل، ولا يحاسب على تصرفاته! وفي الحالين يسقط الميزان الأخلاقي من الحساب. وذلك فضلا عن نظرته إلى الدين على أنه عنصر"تاريخي"أدى مهمته في حياة الإنسان في فترة من فترات تاريخه الماضية واستنفد اليوم أغراضه، ونظرته إلى الأخلاق على أنها قيم متغيرة، لا قداسة لها ولا ثبات! وهما أمران يشترك فيهما التفسير المادي الليبرالي والتفسير المادي الشرقي بلا افتراق!
والمجال الثالث: أن الإنسان إذ يتحرك بمجموعه في واقع الأرض، فلا يمكن في الحقيقة فصل دافع من دوافعه عن دافع آخر، والحديث عنه كأنه كان يتحرك في التاريخ قائما بذاته غير متشابك مع غيره من الدوافع.
وتلك قضية أخرى مختلفة عن القضية التي تحدثنا عنها في المجال السابق وإن كانت متداخلة معها، فهناك كنا نركز على شمول الكيان البشري لعدة دوافع كلها أصيلة على ذات الدرجة من الأصالة وإن اختلفت مساحاتها بعضها عن بعض. وهنا نركز على تشابك تلك الدوافع بحيث يستحيل أن يعمل أحدها مستقلًا عن بقية الدوافع، على الرفم من أصالة كل منها على حدة.
وأهمية هذه القضية تتضح حين نرى التفسير الليبرالي بصفة خاصة يتحدث عن"الحياة الفنية"لأمة من الأمم كأنها شيء قائم بذاته، وعن"المنجزات الحربية"كأنها شيء قائم بذاته، وعن"المنجزات الحضارية"كأنها شيء قائم بذاته، وعن"العادات والتقاليد"كأنها شيء قائم بذاته، لكل منها مقياسه الخاص الذي لا يدخل فيه اعتبار لشيء غيره، على أساس أن"الفن للفن"و"الحياة للحياة"و"الغلبة للغلبة"و"العلم للعلم".. إلى آخر تلك الشعارات الجاهلية المجافية لحقيقة الواقع الإنساني المتشابك المترابط، الذي لا يوجد فيه جانب يعمل مستقلا عن بقية الجوانب!
والحقيقة التي يراها التفسير الإسلامي أن هناك وحدة تشمل هذا كله في المنبع وفي المصب. في المنبع عند صدورها من النفس البشرية المتشابكة المترابطة بطبيعة تكوينها، وفي المصب عند تأثيرها في المجتمع البشري تأثيرًا متجمعًا متشابكًا وإن جاءت التأثيرات فرادى في ظاهر الأمر.