تلك هي القضية التي يتجاهلها التفسير المادي للتاريخ حين يأخذ التشابك -الذي هو مزية الإنسان على الحيوان- وسيلة لهدم قيم أصيلة في الكيان البشري، وجعلها أمورا تابعة لغيرها، ومجرد انعكاس لها. ثم يرتكب ذلك التفسير خطيئة أخرى حين يجعل المادة أو الأوضاع الاقتصادية هي الأصل الوحيد الثابت، وجميع الأمور الأخرى -على إطلاقها- مجرد انعكاس للأوضاع المادية والاقتصادية.
فخطيئته الأولى علمية، لأنها تقصير في الرؤية العلمية للكيان الإنساني، بتفسير التشابك القائم بين عناصره تفسيرا يلغي أصالتها لمجرد أنها لا تأخذ صورتها التطبيقية إلا من خلال تشابكها بعضها ببعض (وقد رأينا قصور تلك الرؤية في مثال الجنس الذي ضربناه للتوضيح) .
والخطيئة الثانية تحكمية. لأنها اختيار تحكمي لعنصر معين من بين عناصر التكوين الإنساني -الأصيلة كلها على مستوى واحد من الأصالة- والزعم بأنه هو وحده الأصيل والباقي كله تبع له، بغير دليل حقيقي. وهو تحكم لا يقل تهافتا ولا بعدا عن التدليل الصحيح عن التحكم الذي قام به فرويد حين زعم بأن الجنس وحده هو العنصر الأصيل في الكيان الإنساني وبقية الأمور كلها تبع له!
والتفسير الإسلامي للتاريخ لا ينفي أصالة العنصر المادي والاقتصادي في حياة الناس، أفرادا وأمما وجماعات، وأنه عنصر تقوم عليه حياة الناس:
(وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا) [سورة النساء: 5] .
أي التي تقوم حياتكم عليها.
ولكنه لا يقول كما يقول التفسير المادي إنه هو العنصر الوحيد الذي تقوم الحياة البشرية عليه.
فالإيممان بالله واليوم الآخر عنصر تقوم الحياة البشرية عليه:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [سورة الحديد: 25] .
والزواج والأسرة عنصر تقوم الحياة البشرية عليه:
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) [سورة الروم: 21] .
والجمال عنصر تقوم الحياة البشرية عليه:
(وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [سورة النحل: 5 - 6] .
وهكذا كل مكونات النفس الإنسانية والحياة البشرية، كلها أصيلة على مستوى واحد من الأصالة، وكلها متشابكة لا تأخذ إحداها صورتها التطبيقية إلا من خلال تشابكها بالمكونات الأخرى، دون أن يقدح هذا في أصالتها.
من هنا يقرر التفسير الإسلامي أن تاريخ الإنسان هو تسجيل لمحاولة الإنسان أن يحقق كيانه كله، بكل مقوماته وكل مكوناته، سواء منها توجهه إلى خالقه بالعبادة (أي قضية الدين) أو توجهه إلى إقامة مجتمع فاضل (أي قضية الأخلاق والقيم) أو توجهه للتعرف على الكون المادي (أي قضية العلم) أو توجهه لاستثمار معرفته في تحسين أحواله المعيشية وترقيتها (أي قضية الحضارة المادية وعمارة الأرض) أو توجهه نحو الكون والحياة بالحس الجمالي (أي قضية الفن) أو توجهه بفكره لمعرفة السنن التي تسيّر الحياة البشرية ومحاولة استخراج دلالاتها (أي قضية الفكر) ..