والحتمية الوحيدة في التفسير الإسلامي هي حتمية قدر الله ومشيئته. ولكن هذه الحتمية لا تلغي إيجابية الإنسان وفاعليته، إنما هي حتمية النتائج حين توجد الأسباب. أما الأسباب فهي مجال الاختيار البشري ومجال الابتلاء، لأنه هكذا اقتضت المشيئة الإلهية: أن يكون الإنسان ذا حرية في نطاق معين، يختار فيه موقفه، ويتحمل النتائج المترتبة على هذا الاختيار، في الدنيا والآخرة سواء [1] .
والمجال الثاني: أن التفسير الإسلامي للتاريخ يرفض رفضا مبدئيا أن يكون تاريخ الإنسان هو تاريخ ضروراته فحسب، أي في الحقيقة تاريخ خضوعه للضرورات، وهو لب التفسير المادي للتاريخ، الذي يعطي الأوضاع المادية والاقتصادية، وهو لب التفسير المادي للتاريخ، الذي يعطي الأوضاع المادية والاقتصادية قوة القهر من ناحية، ومن ناحية أخرى يجعل الأفكار والعقائد والمؤسسات والقيم كلها انعكاسا للأوضاع المادية والاقتصادية لا تسبقها، ولا تتأخر عنها، ولا تخرج عن محتواها.
بينما يعتبر التفسير الإسلامي أن كل الإنتاج الذي قام به الإنسان في تاريخه، سواء الإنتاج المادي، أو الفكري، أو الروحي، أو الفني، أو الأخلاقي، هو تعبير عن عنصر أصيل في الكيان الإنساني، له أصالته الذاتية بصرف النظر عن اشتباكه بغيره من العناصر الأصيلة في ذلك الكيان، والتشابك لا ينفي الأصالة، ولا يجعل شيئًا بالضرورة انعكاسًا لشيء آخر.
إن الرغبة الجنسية أصيلة في كيان الإنسان، وهي في ذات الوقت مشتبكة -عند الممارسة الواقعية- بأمور اجتماعية، وأمور اقتصادية، وأمور جمالية، وأمور تشريعية، وأمور ... وأمور ...
ماذا لو قلنا إن الرغبة الجنسية مسألة اقتصادية؟! هل نكون عقلاء؟!
وحين نقول إن الرغبة الجنسية عنصر أصيل في الكيان الإنساني، قائم بذاته، وليس انعكاسا لأي عنصر آخر في ذلك الكيان، فهل ينفي ذلك أنه في صورته التطبيقية مشتبك بالأمور الاجتماعية، والاقتصادية، والجمالية، والاعتقادية، وأنه لا يأخذ صورته التطبيقية إلا من خلال هذه الاشتباكات؟!
إن القضية فيما أحسب واضحة تماما، لا تحتاج إلى كل مماحكات التفسير المادي للتاريخ! فهذا التشابك أمر واقع وملحوظ، وهو هو مزية ذلك المخلوق المتفرد، الناشئة من تكوينه الأصيل من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله مترابطتين متشابكتين لا تنفصل إحداهما عن الأخرى ولا تستقل عنها.
وحين يقتضي الإنسان دافع الجنس -مثلا- في صورته"البيولوجية" (الحيوية) البحتة، غير مشتبك في حسه بأية قضية اجتماعية ولا فكرية ولا وجدانية ولا جمالية ولااعتقادية ولا تشريعية -إن أمكن هذا أصلا [2] - يكون قد تخلى عن إنسانيته تماما، وصار حيوانا بحتا، وصار عندئذ أضل من الحيوان، لأن الحيوان يقوم بما يقوم به من عمل على هدى غريزته، وهي مهتدية من عند خالقها:
(الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [سورة طه: 50] .
فهو لا يعطل شيئًا من كيانه. أما الإنسان الذي أعطى وسيلة هداه على نسق أعلى من الحيوان ثم يعطلها، ويعمل على مستوى الغريزة فهو يشبه الحيوان في صورة العمل، ولكنه أضل منه في الحقيقة، لأنه عطل وسيلة الهدى التي منحه الله إياها.
(1) سنتكلم عن هذه النقطة في فصل تال.
(2) يقول الأولاد والبنات في غرب أوروبا وأمريكا إن الجنس مسألة بيولوجية لا علاقة لها بالأخلاق! وهذا انتكاس فكري جاهلي يقع فيه هذا الجيل .. ومع ذلك فإن ممارستهم للجنس لا يمكن أن تكون بيولوجية بحتة، إنما هي متشربة بهذا"الفكر"وإن كان فكرا منتكسا غير إنساني!