الصفحة 16 من 110

والذي يقرر ما هو الظلم وما هو العدل، وما هو الخير، وما هو الشر، هو الله سبحانه وتعالى، وليس أهواء البشر. فالبشر حيثما حكموا بغير الرجوع إلى الهدى الرباني كانت لهم أهواء يحكمونها بوعي منهم أو بغير وعي. وحسبنا هنا شهادة التفسير المادي للتاريخ نأخذها لأنها صحيحة في ذاتها [1] ولأنها شهادة شاهد من أهلها، حيث يقول ذلك التفسير: إن الذي يملك هو الذي يحكم، وحين يحكم فإنه يحكم لصالح نفسه (أو لصالح طبقته) فيظلم الآخرين. وهو أمر متكرر في التاريخ حيثما كان التشريع في أيدي البشر، ولم يكن البشر خاضعين لشرع الله.

ونعود إلى"الإنسان"في التصور الإسلامي.

إن النفخة العلوية من روح الله قد منحته كيانا روحيا متلبسا بالكيان الجسدي. ومن ثم فإنه كيان مادي روحي في ذات الوقت. لا يكون في أية لحظة من لحظاته جسدا خالصا ولا روحا خالصة، ويفترق بذلك افتراقا حاسما واضحا عن عالم الحيوان وعن عالم الملائكة. فلا هو جسد محكوم بغرائزه مثل الحيوان، ولا هو روح نورانية شفيفة مثل الملك. وإن كان يهبط إلى مستوى الحيوان أحيانا حين يضل، وعندئذ يكون أضل من الحيوان:

(أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [سورة الأعراف: 179] .

ويرتفع إلى مستوى الملك أحيانًا حين يسمو بروحه إلى أعلى آفاقه، وعندئذ يكون -في رأي بعض العلماء- أفضل من الملك، لأنه يطيع بإرادته ويغالب طبيعته، بينما الملك مفطور على العبادة والطاعة:

(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [سورة الأنبياء: 20] .

(لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [سورة التحريم: 6] .

وقد نشأ عن تكوينه بهذه الصورة ألا تنفصل مادياته عن روحانياته، ولا حسياته عن معنوياته. وألا يكون خضوعه لضروراته قهرا على طريقة الحيوان، وإنما يكون له دائما قدر من الإرادة في تكييف استجابته للضغوط الواقعة عليه.

وتلك نقطة ثانية يفترق فيها التفسير الإسلامي للتاريخ عن التفسير المادي بكل من شقيه، الشرقي والغربي، ويقع الاختلاف في عدد من المجالات في وقت واحد:

المجال الأول: أن التفسير الإسلامي للتاريخ يرفض رفضا مبدئيا مبدأ الحتميات، سواء الحتمية التاريخية أو الحتمية المادية أو الحتمية الاقتصادية. ويعتبر ذلك المبدأ زراية حادة بالإنسان، الذي كرمه الله وفضله على كثير ممن خلق:

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [سورة الإسراء: 70] .

فالمقتضى المباشر لمبدأ الحتمية هو إلغاء إيجابية الإنسان وفاعليته، وجعله آلة تاريخية لتنفيذ قدر خارج عن إرادته، لا قبل له بتغييره أو الوقوف في طريقه.

(1) قلنا في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"إن قولنا إن التفسير المادي للتاريخ قائم على قاعدة خاطئة ليس معناه أن كل محتوياته خاطئة، ولا معناه أنه لا يفسر شيئا على الإطلاق من الحياة البشرية، فهو يفسر نطاق الضرورة في الحياة البشرية ويفسر كثيرا من أمور الناس في جاهليتهم، ولكنه يعجز عن تفسير فترات الهدى عجزا كاملا، وكذلك يعجز عن تفسير ما فوق نطاق الضرورة حتى في الجاهليات ذاتها؛ راجع ص385 - 391 من كتاب"مذاهب فكرية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت