ومن ثم صارت له حاسة خلقية يميز بها بين الطريقين، وإرادة يختار بها أحد الطريقين. ولو كان ذا طريق واحد كالمادة أو الحيوان، لم يكن للأخلاق معنى بالنسبة إليه. ولو لم تكن له القدرة على التمييز بين الطريقين، والإرادة التي يقرر بها سلوك أحد الطريقين، لم يكن كذلك للأخلاق معنى بالنسبة إليه، وإنما صارت له الحاسة الخلقية، وصارت لأعماله قيمة أخلاقية ملازمة لها من هذا التكوين الفطري الذي فطره الخالق عليه، ولذي يستطيع به أن يميز بين طريقين ويختار أحد الطريقين.
وإلى هنا نلحظ فارقا أساسيا بين التصور الإسلامي للإنسان والتصور الغربي المادي الحيواني، يترتب عليه فارق أساسي في تفسير التاريخ.
فالعنصر الأخلاقي ملازم للإنسان بطبيعة تكوينه، وليس مفروضا عليه من خارج نفسه كما تذهب المذاهب الشاردة عن الله، الشاردة من ثم عن رؤية الحقيقة في الكون والحياة والإنسان.
ولم يكن الدين هو الذي ألزم الإنسان بالأخلاق. إنما الدين يحدد معايير أخلاقية معينة يحدد بها ما هو خير وما هو شر، وهي المعايير الصحيحة لأنها من عند الله اللطيف الخبير، الذي يعلم حقيقة الإنسان الذي خلقه، ويعلم ما يصلحه وما يصلح له:
(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [سورة الملك: 14] .
أما الحاسة الخلقية ذاتها، أي التمييز بين طريقين، ووسم أحد الطريقين بأنه خير، ووسم الآخر بأنه شر، فهو من صميم الفطرة الإنسانية، ونتيجة ملازمة لكون الإنسان ذا طريقين لا طريق واحد.
وكل محاولة لإسقاط القيمة الخلقية عن أعمال الإنسان مما تصنعه الجاهلية المعاصرة حين تقول إن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق، وإن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق، وإن العلم لا علاقة له بالأخلاق، وإن الفن لا علاقة له بالأخلاق، وإن علاقات الجنسين لا علاقة لها بالأخلاق .. كل محاولة من هذا النوع هي اتجاه غير علمي لأنه يخالف أصل الفطرة، فضلا عن آثاره المدمرة في الحياة الإنسانية، التي نلحظها بوضوح في الجاهلية المعاصرة.
نعم تبقى قضية أخرى متصلة بالأخلاق هي قضية الثبات والتغير. وقد أفردنا فصلا في البحث لهذه القضية. ولكننا نشير هنا إشارة سريعة إلى النقطة الرئيسية في القضية وهي أن الذي يتغير من حياة الإنسان هو الأشكال التي يمارس بها دوافعه الأصيلة، وليست الدوافع في ذاتها. والأخلاق متعلقة بأصل الدوافع، ومن ثم لا تتغير في جوهرها. فالعدوان على الآخرين وسلبهم حقوقهم ظلم لا يتبدل جوهره مهما تبدلت صوره، وهو شر في جميع أحواله، ومن ثم يكون الإقطاع ظلما، والرأسمالية ظلما، والشيوعية ظلمًا لأن كلا منها يمارس لونا من العدوان على حقوق الآخرين، وتكون كلها شرا في جميع أحوالها لا في حالة دون حالة. والعدوان على الأعراض ظلم، وهو شر في جميع أحواله، ومن ثم تكون الفوضى الأخلاقية شرا في جميع أحوالها لا في حالة دون حالة. وإفساد أخلاق المجتمع، ينشر التفاهة والانحلال فيه، وجعله يركن إلى لذائذ الدنيا وينسى الآخرة، ويقعد عن الجهاد في سبيل إحقاق الحق ورفع الظلم عن المظلومين شر في جميع أحواله، سواء تولاه أفراد معينون عن طريق مباشر، أو تولته الدولة بوسائل إعلامها المختلفة .. وهكذا .. وهكذا .. وهكذا في جميع الأمور.