الصفحة 14 من 110

فإذا أضفنا إلى ذلك قضية ثالثة هي تفسير التجربة التي نجريها في المعمل، وهل هو تفسير موضوعي حقيقي أم تفسير شخصي .. إذ لو كان تفسيرا موضوعيا ما جاز أن يختلف فيه مفسر عن مفسر آخر، ولكن الذي نراه في عالم الواقع، أن علم النفس مدارس مختلفة لا مدرسة واحدة. كل مدرسة تقدم تفسيرا مختلفا عن التفسير الآخر ..

إذا جمعنا هذه القضايا -وهي ليست كل ما يثار في هذا المجال [1] - فهل يصلح في التعرف على حقيقة الإنسان أن نذهب به إلى المعمل بغير مقررات مسبقة، ثم ننتظر نتيجة التجربة لنستخرج منها قانونا نفسر به سلوكه وفكره وحياته وتاريخه؟!

ولكننا إذا لم نعتمد على المعمل في إعطائنا صورة حقيقية عن الإنسان، ولم نعتمد على النظريات المشبوهة التي تفسر الإنسان عن طريق قوانين المادة أو عن طريق قوانين الحيوان [2] فهل لدينا مصدر آخر يمكن أن نلجأ إليه لإعطائنا هذه الصورة؟

فأما التفسير الإسلامي للتاريخ فيستمد من المصدر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. من الوحي الرباني.

إذا رجعنا إلى كتاب الله نستمد منه الحقيقة، نجد حشدا من المعلومات عن الإنسان.

نجد بادئ ذي بدء معلومات عن تكوين الإنسان:

(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [سورة ص: 71 - 72] .

فأما قبضة الطين فهي الجسد البشري الذي يحتوي على ذات العناصر التي يتكون منها طين الأرض [3] . وأما نفخة الروح فلا نعلم شيئا عن كنهها (كما أننا لا نعلم شيئا عن كنه العناصر الطينية في الحقيقة، وإن كنا نعلم شيئا عن ظاهرها) ولكننا نرى آثارهما واضحة في قبضة الطين. فعن طريقها منح الإنسان كيانه"الإنساني"المتفرد، الذي تميز به عن المادة وعن الحيوان.

عن طريقها اكتسب الإنسان الوعي:

(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [سورة النحل: 78] .

وكلمة"الفؤاد"و"القلب"تأتي في القرآن بمعنى العقل، وبمعنى البصيرة:

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [سورة الحج: 46] .

وتأتي بمعنى الوعي والفقه:

(لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [سورة الأعراف: 179] .

ومن هذا الوعي عرف أن له طريقين لا طريقا واحدا كالمادة والحيوان، وعرف أن له القدرة على اختيار أحد الطريقين:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [سورة الشمس: 7 - 10] .

(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [سورة البلد: 10] .

(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [سورة الإنسان: 3] .

(1) أرجو أن تتاح لي فرصة لعرض هذه القضاييا على نطاق أوسع في بحث آخر.

(2) أي التفسير المادي بشقيه الشرقي والغربي.

(3) لم تكن هذه الحقيقة العلمية المعروفة عند الناس وقت نزول القرآن. ولكنها صارت الآن من العلم الشائع الذي يدرسه طلاب المدارس والجامعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت