الصفحة 13 من 110

"الثالثة: وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة (يقصد الجماعة الدينية) وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها."

".. ولكن لا يكفي هنا أن نحصى بعض أوجه النشاط .. ففي الحقيقة أن معظم أوجه نشاط الإنسان وخواصه نتائج ثانوية لخواصه الأصلية. ولذلك فهي مثلها فذة من الناحية البيولوجية."

"ثم إن التخاطب والألعاب المنظمة والتعليم والعمل بأجر وفلاحة البساتين والمسرح والضمير والواجب والخطيئة والذلة والرذيلة والندم، كلها نتائج ثانوية (لخصائصه الأصلية) . والصعوبة في الواقع هي إيجاد نشاط للإنسان لا يكون فريدا. بل إن الصفات الأساسية البيولوجية مثل الأكل والنوم والاختلاط الجنسي زينها الإنسان بكل المحسنات الفريدة."

"وقد يكون لتفرد الإنسان نتائج ثانوية أخرى لم تستغل بعد .. وبذلك قد يكون الإنسان فريدا في أحواله أكثر مما نظن الآن .." [1]

فإذا كان هذا هو قول الداروينية الحديثة Neo Darwinism في تفرد الإنسان، فالذين لا يؤمنون بالداروينية أصلا في تفسيرها للإنسان أولى أن يثقوا أن الإنسان كائن متفرد، لا تنطبق عليه قوانين المادة ولا قوانين الحيوان. فكيف نتعرف على حقيقته؟

هل يصلح معه أن نذهب به إلى المعمل بغير مقررات مسبقة ثم ننتظر نتيجة التجربة لنستخرج منها قانونا نفسر به سلوكه وفكره وحياته وتاريخه؟!

إنه لا بد لنا في الحقيقة أن نقف عدة وقفات ..

نقف أولًا لنسأل: ما القدر الذي يمكن للمعمل أن يتناوله من حياة الإنسان وفكره وسلوكه؟

يستطيع المعمل -مع شيء من التجاوز- أن يقيس درجة ذكائه، وأن يقيس درجة تحمله للجهد، وأن يقيس معامل التعب عنده، وأن يقيس تأثير التعذيب البدني والنفسي والعصبي في تغيير أفكاره [2] وأن يقيس ردود الفعل العكسية لبعض المؤثرات .. ولكن كيف يقيس المعمل قيمه؟ وأخلاقه؟ وأفكاره المجردة؟ وأشواقه الطليقة من قيود الضرورة؟

وأيهما هو"الإنسان"في حقيقته؟

فلنسلم مبدئيا أن الإنسان هو مجموع هذه وتلك .. ولكن أي الجوانب منه هي التي تشكل الجوهر الإنساني الحقيقي الذي له الثقل في الإنتاج الحضاري الذي تفرد به الإنسان بين جميع الكائنات؟

ونقف ثانيا لنسأل: هل العينة التي نذهب بها إلى المعمل عينة صادقة الدلالة، أي أنها تمثل النوع البشري تمثيلا صحيحا بحيث نستطيع أن نعمم النتائج التي نأخذها منها على النوع كله، ونستنبط منها قوانين صحيحة تفسر سلوك النوع البشري كله؟!

ألسنا بحكم الأمر الواقع نأخذ العينة من جيلنا الذي نعيش فيه؟ فهل هذا الجيل المنتكس المنحرف المليئة حياته بالمشكلات النفسية والعصبية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخمر والمخدرات والجريمة، الواقع تحت تأثير ألوان الفساد المبثوثة فيه -عمدا أو عن غير عمد- من جنون الجنس وجنون السينما وجنون التليفزيون وجنون الفيديو وجنون الكرة وجنون الأزياء وجنون الزينة، وغيرها وغيرها من ألوان الجنون .. هل هذا الجيل بأوضاعه تلك عينة سليمة من الوجهة العلمية، أي ممثلة للنوع بحيث تصلح لتعميم الأحكام منها على النوع كله؟

فهنا حتى الآن قضيتان: القدر الذي يستطيع المعمل قياسه من الإنسان؛ ثم العينة التي نقدمها للمعمل ودرجة تمثيلها للنوع البشري في جميع أعصاره.

(1) ترجمة حسن خطاب، ومراجعة الدكتور عبد الحليم منتصر من منشورات الألف كتاب، وزارة التعليم العالي القاهرة. مقتطفات ص1 إلى ص36.

(2) هذه الناحية بالذات تهتم بها الأنظمة التي تستخدم الوسائل الوحشية في القضاء على معارضيها (انظر كتاب الحرب النفسية لصلاح نصر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت