وحين نتعامل مع المادة يكون هذا المنهج صحيحا تماما. ولنذكر أن أوروبا قد تعلمت هذا المنهج أول مرة من المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وغيرهما من أماكن العلم. حيث كان المسلمون هم الذين أنشأوا المنهج التجريبي في البحث العلمي أول مرة، بعد إذ كان العلم على يد الإغريق نظريا فلسفيا لا يتجه إلى التجريب.
وحين نتعامل مع الحيوان يكون هذا المنهج صحيحا كذلك .. وذلك لأن المادة والحيوان يستجيبان بصورة واحدة تقريبا في الظروف المتماثلة، بحيث نستطيع أن نستخرج من التجارب المتعددة قانونا نركن إليه في تفسير سلوك المادة وسلوك الحيوان. وإن كان العلم ذاته هو الذي قرر في الفترة الأخيرة أنه لا حتمية في ذلك القانون حتى مع المادة كما كان العلماء يتوهمون من قبل وهم يتحدثون عن"حتمية القوانين الطبيعية"، وإنما هي احتمالات بعضها أقوى من بعض فالاحتمال (أ) أقوى من الاحتمال (ب) والاحتمال (ب) أقوى من الاحتمال (ج) وهكذا.
وإذا كان قانون الاحتمالات قد أصبح في نظر العلماء هو الأليق في التعامل مع المادة، فهو بالنسبة للحيوان أوجب، لأن الحيوان لا يستجيب بصورة واحدة تماما في كل حالة. وإن كانت دائرة الاختلاف محدودة في النهاية بحدود قريبة، بحيث نستطيع أن نطمئن إلى التجربة المعملية في استنباط القانون الذي يفسر سلوك الحيوان.
أما الإنسان فهو يختلف اختلافا جذريا عن كل من المادة والحيوان. واستمع إلى هذا الرجل الدارويني الملحد وهو يتحدث عن"تفرد الإنسان".
يقول"جوليان هكسلي"في كتاب"الإنسان في العالم الحديث":"وبعد نظرية دارون لم يعد الإنسان مستطيعا تجنب اعتبار نفسه حيوانا، ولكنه بدأ يرى نفسه حيوانا غريبا جدا، وفي حالات كثيرة لا مثيل لها، ولا يزال تحليل تفرد الإنسان من الناحية البيولوجية غير تام."
"وأولى خصائص الإنسان الفذة وأعظمها وضوحا قدرته على التفكير التصويري، وإذا كانت تفضل استخدام عبارات موضوعية فقل: استخدام الكلام الواضح .."
"ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة، وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة."
"ومن أهم نتائج تزايد التقاليد -أو إذا شئت- من أهم مظاهره الحقيقية ما يقوم به الإنسان من تحسين فيما لديه من عدد وآلات .."
"وإن التقاليد والعدد لهي الخصائص التي هيأت للإنسان مركز السيادة بين الكائنات الحية .. وهذه السيادة البيولوجية في الوقت الحاضر خاصية من خواص الإنسان الفذة .. ولم يتكاثر الإنسان فحسب، بل تطور، ومد نفوذه، وزاد من تنوع سبله في الحياة .."
"ولقد أدى الكلام والتقاليد والعدد إلى كثير من خواص الإنسان الأخرى التي لا مثيل لها بين المخلوقات الأخرى .. ومعظمها واضح معروف. ولذلك أرى عدم التعرض لها حتى أنتهي من التحدث عن الخواص غير المعروفة كثيرا، لأن الجنس البشري -كنوع- فريد في صفاته البيولوجية الخالصة. ولم تلق تلك الصفات من العناية ما تستحق، سواء من وجهة نظر علم الحيوان، أو من وجهة نظر علم الاجتماع."
".. فإن الإنسان لا مثيل له بين الحيوانات الراقية في طريقة تطوره."
"وإن خاصية الإنسان الجوهرية ككائن حي مسيطر لهي التفكير المعنوي .."
"يجب ألا يعزب عن بالنا أن الفرق بين الإنسان والحيوان في العقل أعظم بكثير مما يظن عادة .."
".. ولهذه الزيادة في المرونة نتائج أخرى سيكولوجية يتناساها رجال الفلسفة العقلية."
".. وهذه الخواص التي امتاز بها الإنسان -والتي يمكن تسميتها نفسية أكثر منها بيولوجية- تنشأ من خاصة أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:"
"الأولى: قدرته على التفكير الخاص والعام."
"الثانية: التوحيد النسبي لعملياته العقلية بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان."