ومن هنا ينشأ ازدواج الشخصية، وازدواج النظرة إلى الأمور، ويتحير الدارس: أيهما أصدق؟ أي المعيارين هو الصحيح؟ وقد يتابع التفكير، وقد يكف عنه وينشغل بقضايا أخرى .. ولكن يظل ازدواج الرؤية قائما في نفسه، وقد ينتهي به كما انتهى عند كثير من"المثقفين"إلى أن نظرة الدين خاصة بالدين، ولا علاقة لها بالعلم، ولا علاقة لها بواقع الحياة، وأن العلم والحياة الواقعية يحكمهما معيار آخر .. والمعياران لا يلتقيان! وهذا هو ذات الموقف الذي وقفه"المثقف"الأوروبي من قبل، وانتهى به إلى هجر الدين، وإخراجه نهائيا من الساحة، أو حصره في نطاق المشاعر الوجدانية التي تذهب جفاء ولا تمكث في الأرض!
وإذا كان هذا قد وقع في دين الكنيسة بسبب المواقف الخاطئة التي وقفتها الكنيسة الأوروبية، فهو غير جائز في دين الله .. والمزية الكبرى للمسلم هي توحد اتجاهه، وتوحد أنماط سلوكه العقلي والعملي والروحي، لأن مرجعها جميعا هو المنهج الرباني الشامل، الذي يشمل جوانب الحياة كلها ويربطها برباط واحد.
وحين يصحح منهاج دراسة التاريخ فلن تتغير الوقائع التاريخية -كما سبق أن بينا- فالمسلم أحرص الناس على ذكر الحق وتحريه، وإنما سيتغير التفسير، ويتغير التقويم، فتصبح كلها منبثقة من أصل واحد، ومتجهة وجهة واحدة، ويعود للدارس المسلم توحد شخصيته وترابطها، الذي فقده بتأثير الغزو الفكري خلال قرنه الأخير.
وقد تناوت بالدراسة الموجزة في هذا البحث مجموعة من المقومات التي يقوم عليها التفسير الإسلامي للتاريخ:
* ما الإنسان؟ ما طبيعته؟ ما تكوينه؟ ما الذي تفرد به عن غيره من الكائنات؟ ما دوره في الأرض؟
* ما العلاقة بين قدر الله الذي له الفاعلية في الكون والحياة والإنسان، وبين فاعلية الإنسان في الأرض؟
* ما السنن الربانية التي تحكم الحياة البشرية؟
* ما موقف الإنسان من الضغوط المادية والاقتصادية والنفسية التي يتعرض لها؟
* ما طبيعة الصراعات القائمة في الأرض؟ ولمن تكون الغلبة فيها؟
* ما المعيار الذي يقوّم به الإنجاز البشري؟
* ما العلاقة بين دور الفرد ودور المجتمع؟ وأيهما الذي يكتب التاريخ؟
* ما الثابت وما المتطور في الحياة البشرية؟
فإذا أدى البحث مهمته في بيان موقف التفسير الإسلامي من هذه القضايا، وفي دعوة المختصين أن يقوموا بالدراسة المستوعبة المطلوبة، فهذا حسبي منه، وبالله التوفيق.
محمد قطب