وكلها داخلة في الحساب، ولكن مع مراعاة أمرين رئيسيين: الأول: أن القيمة الأولى والكبرى في ميزان الله -وهو الميزان الذي يزن به التفسير الإسلامي للتاريخ -هي للإيمان والكفر، قبل كل معيار آخر.
والثاني: أن الإيمان الصحيح -بحسب المفهوم الإسلامي الصحيح- [1] يستتبع حتما أن تسعى الأمة إلى حيازة كل وسائل القوة والتمكن، المتعلقة بالإنجاز المادي والعلمي، والحربي والسياسي .. إلخ، وإلا فهي مقصرة في دينها ذاته. فليس الوضع الصحيح للأمور أن يكون الإيمان بديلا من وسائل القوة ولا أن تكون وسائل القوة بديلا من الإيمان. إنما تكون الأمة في وضعها الأمثل حين تكون مؤمنة قوية في ذات الوقت، لا مؤمنة ضعيفة، ولا قوية منكرة، فكلاهما اختلال لا يرضى به الله.
ومن الممكن -في التاريخ- أن توجد أمة مؤمنة في دور التكوين لم تستكمل بعد كل أدوات القوة والتمكن، فهذا ظرف خاص لا يقاس به وضعها النهائي، إنما يقاس وضعها النهائي حين تتاح لها الفرصة الزمنية اللازمة لاستكمال التكوين .. ولكن حتى في مثل هذه الحالة -التي كانت عليها الأمة الإسلامية مثلها في سنواتها الأولى- فالمقياس هو المقياس: الإيمان أولا، ثم بقية المعايير بعد ذلك. والذي يحسم هذه القضية هو المقارنة بين جيل الصحابة رضوان الله عليهم، والجيل المعاصر الذي يملأ وجه الأرض .. جيل بلغ القمة في عالم القيم -المستمدة من الإيمان الصحيح- مع أدنى حد من الإنجازات المادية عرف في التاريخ، وجيل بلغ القمة في الإنجاز المادي والعلمي والتقني، مع أدنى حد من القيم عرف في التاريخ .. فأي الجيلين هو الذي حق حقيقة"الإنسان"وأي الجيلين هو الذي تصبو البشرية إلى مثله!
وعلى أي حال فإن الإنجاز المادي متاح"للإنسان"عامة بقدر ما يجتهد في طلبه، ولكن العبرة بما يملأ قلب هذا الإنسان.
فأما إن كان مؤمنا فإنتاجه هو الحضارة ..
وأما إن كافرا فقصاراه أن ينشى"حضارة جاهلية"إن صح التعبير. حضارة لا تحقق هدف الوجود الإنساني تحقيقا كاملا، وليست كذلك مقبولة عند الله ..
ولقد قصدت بهذا الكتيب أن يكون مدخلا لدراسة التفسير الإسلامي للتاريخ، وأن يكون في الوقت ذاته دعوة للمؤرخين المسلمين أن يعيدوا كتابة التاريخ البشري من زاوية الرصد الإسلامية المتميزة، لإزالة التناقض القائم اليوم بين عقيدة الأمة وبين دراستها للتاريخ، وهو تناقض يحدث ازدواجا في الشخصية يؤدي في النهاية -كما هو معلوم في علم النفس- إلى اختلال الشخصية وفقدان ترابطها.
ففي درس الدين يتعلم الدارس أن الشرك والوثنية تخلف في الفكر، وتخلف في الإنسانية، وانحراف عن الهدف الذي خلق الإنسان من أجله، وهو عبادة الله وحده دون شريك:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات: 56] .
وفي درس التاريخ يجد الدارس إشادة ضخمة بالوثنية الرومانية، والوثنية الإغريقية، والوثنية الفرعونية، والوثنية العربية، على أنها حضارات ملأت ساحة التاريخ بالأمجاد، ورفعت الإنسان إلى قمم من الفكر والإنسانية لا تعدلها قمم.
(1) انظر مفهوم لا إله إلا الله ومفهوم العبادة من كتاب مفاهيم ينبغي أن تصحح.