الصفحة 6 من 110

وكل محاولة لتفسيرها على أساس الحتمية التاريخية أو الحتمية المادية لا تفسر شيئًا على الإطلاق .. فإن شيئًا لم يتغير في الجزيرة العربية -ولا في الدنيا كلها يومئذ- يمكن أن يفسر كل ما جاء به الإسلام من إزالة القداسة عن البشر جميعا حكامهم ومحكوميهم، ونزع حق التشريع منهم ورده إلى الله، ومن تحرير الناس من عبودية بعضهم لبعض برد العبودية كلها لله، ومن تحرير المرأة ورد إنسانيتها المسلوبة إليها دون طلب منها ولا استقلال اقتصادي يؤدي إلى التحرر، ومن وضع مبدأ مسؤولية الحاكم عن كل فرد في الدولة، ومبدأ التكافل في المجتمع، ومبدأ التحاكم إلى شريعة واحدة للأغنياء والفقراء، ليست من صنع الأغنياء ولا من صنع الفقراء .. ومبدأ .. ومبدأ .. ومبدأ .. مما أتى به الإسلام غير مسبوق، ولم تعرف البشرية بعضه إلا بعد قرون!

إنما الذي يفسر هذه الظاهرة بسهولة هو التفسير الإسلامي للتاريخ! لأنه يفسر أحوال البشر جميعا في رفعتهم وهبوطهم، وإقبالهم وإدبارهم، وإيمانهم وكفرهم، واستقامتهم وانحرافهم، بحسب ما بيّن الله في كتابه المنزل، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما يدخل في حسابه عالم الغيب وعالم الشهادة سواء.

ويحتفل التفسير الإسلامي للتاريخ احتفالا خاصا بفترات الهدى في الحياة البشرية -وبخاصة فترة الرسالة الخاتمة- بقدر ما يغفل التفسير الجاهلي عن عمد هذه الفترات.

يحتفل بها لأنها تمثل الإنسان في أرفع حالاته، وأكثر حالاته استقامة مع هدف وجوده وشرط استخلافه، ومن ثم فهي أروع إنجازاته في الأرض.

أما الجاهليات -وما أكثرها في التاريخ- فإن التفسير الإسلامي للتاريخ يسجلها كما هي في واقعها، لا ينقص شيئًا من إنجازاتها المادية، ولا إنجازاتها العلمية، ولا إنجازاتها الإدارية، ولا إنجازاتها الحربية .. ولكنه يسجلها على أنها جاهليات .. وتلك حقيقتها في ميزان الله، بكل إنجازاتها الأرضية التي لا تبتغي بها وجه الله، ولا تلتزم فيها بما أنزل الله:

(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون) [سورة الروم: 9 - 10] .

فكونهم أثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرها غيرهم ليس هو الذي يرفعهم في ميزان الله ما دام مقرونا بتكذيب الرسل وعدم التصديق بآيات الله. وهم جاهليون مهما أثاروا الأرض ومهما عمروها، حتى يؤمنوا بالله وحده، ويحكموا شريعته وحدها، عندئذ فقط تزول عنهم صفة الجاهلية حين يدخلون في حكم الله:

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [سورة المائدة: 50] .

من أجل ذلك لا يقسم التفسير الإسلامي للتاريخ الأمم تقسيما مبدئيا إلى أمم متقدمة وأمم متخلفة بحسب الإنجاز المادي والعلمي، ولا إلى أمم قوية وأمم ضعيفة بحسب الإنجاز الحربي والسياسي، إنما يقسمها مبدئيا إلى فريقين رئيسيين: أمم كافرة وأمم مؤمنة، بحسب التقسيم الرباني:

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [سورة التغابن: 2] .

ثم تجيء بعد ذلك كل التقسيمات الأخرى، من تقدم وتخلف بحسب الإنجاز المادي والعلمي، وقوة وضعف بحسب الإنجاز الحربي والسياسي .. الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت