الصفحة 5 من 110

فإن التفسير الإسلامي يقول إن هناك غاية ربانية من خلق الإنسان هي أن يكون خليفة في الأرض.

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [سورة البقرة: 31] .

وإن هناك شرطا ربانيا للاستخلاف:

(فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَروا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [سورة البقرة: 38 - 39] .

ومن ثم فإن أعمال الإنسان كلها لها معيار رباني توزن به، بحسب تحقيقها لهدف الوجود الإنساني وشرطه أو عدم تحقيقها له، ومن ثم يحكم عليها دائما في أي وضع من الأوضاع بأنها خطأ أو صواب، منحرفة أو مستقيمة .. ولا تكون قط خارجة عن ذلك التقويم بحجة من الحجج، ذلك أن المعايير الربانية التي تستخدم في التقويم، منظور فيها إلى كيان الإنسان كله، بما يشتمل عليه من طاقات وقدرات، وضرورات وأشواق، وأن التكاليف الربانية -التي هي مناط الحكم بالخطأ والصواب، والاستقامة والانحراف -منظور فيها إلى القدرة البشرية، وما منح الإنسان من وعي وإرادة وفاعلية:

(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [سورة البقرة: 286] .

وبذلك كله يصبح للوجود الإنساني معناه، وللتاريخ الإنساني معناه .. وهو معنى في الحقيقة لا ينقطع بانقطاع الحياة الدنيا، إنما يمتد إلى يوم البعث والجزاء:

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [سورة المؤمنون: 115] .

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) [سورة ص: 27] .

(أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) [سورة القيامة: 36 - 40] .

التفسير الإسلامي للتاريخ في الحقيقة هو المقابل للتفسير الجاهلي للتاريخ، سواء منه التفسير المادي، أو التفسير الليبرالي، الذي يسقط من حسابه الله واليوم الآخر، ويقتطع من حياة الإنسان فترة يدرسها بعيدا عن الله، بينما هي في الحقيقة غير منقطعة عن الله لا في واقعها الحاضر، ولا في منشئها الذي خرجت منه، ولا في مصيرها الذي تئول إليه .. ومن ثم تختل بين يديه كل القيم والمعايير، ويصبح تفسيرا ناقصا لا يقدر على التفسير ..

وأشد ما يعجز التفسير الجاهلي للتاريخ عن تفسيره هو الإسلام!

كيف ظهر؟ كيف غير من حياة الناس ما غير؟ كيف أنشأ مجتمعا جديدا كل الجدة في قيمه ومفاهيمه وإنجازاته؟ كيف امتد بهذه السرعة الخاطفة فشمل هذه المساحة الواسعة من الأرض، وهذه الألوف المؤلفة من القلوب؟ كيف أقام العدل الرباني واقعا مشهودا في الأرض؟ كيف قضى بهذه السرعة على الشرك والخرافة من حياة الناس ورفعهم إلى عبادة الله الحق؟ كيف منح الله المستعبدين وجودا إنسانيا متحررا، وكيف أطلق العقول المستعبدة ترتاد الكون لتعرف الحق، وتتعلم، وتعلم؟

كل محاولة لتفسير هذه الظاهرة تسقط من حسابها قدر الله ومشيئته، وتفسر الأمر من زاويته البشرية وحدها لا تفسر الحقيقة، إذ الحقيقة أنه وحي من عند الله ورسواله أرسل بها رسول، فعلت فعلها في نفوس البشر حين استجابوا لها هذه الاستجابة الفذة بقدر من الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت