الصفحة 4 من 110

وليس الخلاف الجوهري بطبيعة الحال هو الخلاف في تحديد الوقائع التاريخية. فهذه عرضة لأن يقع الخلاف عليها دائما حتى لو اتحدت مناهج المؤرخين واتجاهاتهم، ما دام الكثير من مرويات التاريخ ليس قطعي الثبوت ولا قطعي الدلالة.

إنما الخلاف الرئيسي -حتى في حالة الاتفاق على الوقائع- هو في أمرين رئيسيين: تفسير الوقائع من ناحية، وتقويمها [1] من ناحية أخرى. التفسير يتناول الدوافع، والعوامل المؤثرة، وطريقة تأثير هذه العوامل في مجرى الحياة الإنسانية، والتقويم يتناول الحكم على الإنجاز البشري في أية مرحلة من مراحله بأنه خطأ أو صواب، منحرف أو مستقيم، رفيع أو هابط.

فحينما يقول التفسير المادي للتاريخ إن تاريخ الإنسان يبدأ من بحث الإنسان عن الطعام، وإن الأوضاع المادية والاقتصادية هي التي تشكل فكر الإنسان وعقائده وأنماط سلوكه، وتحدد المؤسسات التي تقوم عليها حياته، وأن هذا كله يجري من خلال"الطبقة"ومن خلال الصراع الطبقي، في أطوار حتمية لا اختيار للإنسان فيها ولا قبل له بالخروج من محتواها.

وحينما يقول التفسير الليبرالي للتاريخ إن حب الإنسان للاستمتاع بطيبات الحياة، ورغبته في السيطرة والاستحواذ، والصراع الدائر بين البشر على السيطرة والاستحواذ هو الذي يكتب التاريخ الإنساني، وينشأ عنه ما ينشأ من أفكار وعقائد وأنماط سلوك ومؤسسات، من خلال الفرد، أو من خلال الوجود الفردي في المجتمع ..

فإن التفسير الإسلامي للتاريخ يقرر أن التاريخ البشري هو تحقيق المشيئة الربانية من خلال الفاعلية المتاحة للإنسان في الأرض بقدر من الله، وبحسب سنن معينة يجري الله بها قدره في الحياة الدنيا. والتاريخ من جهة أخرى هو سعي الإنسان لتحقيق ذاته كلها، لا البحث عن الطعام فحسب، ولا المتاع والسيطرة والاستحواذ فحسب، إنما تحقيق كل ما يشتمل عليه الإنسان من طاقات وقدرات، وتطلعات وأشواق، إلى جانب الضرورات القاهرة والرغبات القريبة .. وهو تاريخ الفرد والجماعة في ذات الوقت من خلال تشابكهما الذي لا ينتهي، وتدافعهما الذي لا يقف عند حد.

وبهذا يكون التفسير الإسلامي هو الأوسع والأشمل، ويكون من ثم هو الأقرب إلى الصواب.

كذلك في قضية التقويم.

فحينما يقول التفسير المادي للتاريخ إن مبرر وجود أي شيء في حياة الإنسان هو وجوده ذاته! لأن وجود كل شيء يتم بموجب الحتمية التاريخية والحتمية المادية، لا يسبقها، ولا يتأخر عنها، ولا يخالفها، ومن ثم لا يحكم على شيء بأنه خطأ أو صواب، أو منحرف أو مستقيم، إنما وجوده في طوره التاريخي وطوره المادي والاقتصادي هو الشيء الوحيد الممكن، ومن ثم فهو الصواب عندئذ بصرف النظر عما فيه من عدل أو ظلم، ولكن وجوده بعد طوره التاريخي والمادي والاقتصادي هو الخطأ الذي ينبغي تقويمه، بصرف النظر عن أي"قيمة"من القيم، لأن القيم لا ثبات لها، إنما هي دائما انعكاس للواضع المادي والاقتصادي.

وحينما يقول التفسير الليبرالي للتاريخ من جانبه إن مبرر وجود أي شيء في حياة الإنسان هو وجوده ذاته! لأن الإنسان هو المرجع، والإنسان هكذا! محكوم أبدًا بضروراته، خاضع لها، فالجبرية النفسية هي التي تحكمه، ومن ثم لا يحكم على شيء من أحداث التاريخ بأنه خطأ أو صواب، أو منحرف أو مستقيم، إنما ينظر إليه على أنه واقع، ويؤخذ على أنه واقع! فيتقبل بخيره وشره على أنه أمر لا محيص عنه، وليس في الإمكان أن يقع غيره .. فتضيع القيم كلها، ويضيع معها"الإنسان"..

(1) يستخدم بعض الكتاب كلمة"تقييم"بدلا من"تقويم"في معنى الحكم على الشيء لبيان قيمته، ويستخدمون كلمة"تقويم"فقط بمعنى إزالة العوج، والحقيقة أن كلا الفعلين واوي الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت