الصفحة 3 من 110

لذلك لا نستغرب حين نجد كاتبا غريبا مثل"ول ديورانت"يتخذ موقف التفسير المادي للتاريخ في قضايا"الدين الذي أخلى مكانه للعلم"و"المرأة التي استقلت اقتصاديا فتحررت من قيود الدين والأخلاق"و"العلاقات الجنسية الحرة بعد انقضاء العصر الزراعي والدخول في العصر الصناعي المتطور" [1] .. إلى آخر القضايا التي يثيرها في الأصل التفسير المادي للتاريخ، ولكن الغربي"الليبرالي"يتقبلها لأنها لا تتعارض تعارضا جوهريا مع تصوراته عن"الإنسان"ودوافعه وطريقة استجابته للمؤثرات الواقعية عليه!

إن هناك عاملين رئيسيين يشكلان الفكر الغربي جملة، ويؤثران تأثيرا عميقا فيه، بوعى من أصحابه أو غير وعي، هما الداروينية من جهة، والنفور من الدين بسبب طغيان الكنيسة وتجبرها وحجرها على الفكر من جهة أخرى [2] .

هذان العاملان يؤثران في الفكر الأوروبي كله -شرقيه وغربيه- بدرجات متفاوتة، فيجعلانه يميل إلى إسقاط الدين من الحساب عند الحديث عن"الإنسان": حياته، أو فكره، أو تاريخه، ويجعلانه ينظر إلى الإنسان على أنه نهاية خط التطور الحيواني، أي أنه يركز على قاعدته الحيوانية أكثر مما يركز على قاعدته الإنسانية الأصيلة.

وتفسير التاريخ الإنساني الذي يقدمه شرق أوروبا أو غربها متأثر لا محالة بهذين العاملين -سواء وعى أصحابه ذلك وتعمدوه، أم كانوا على غير وعي منهم ولا تعمد- لأنهم حتى هذه اللحظة لا يريدون أن يصححوا قاعدة حياتهم ولا قاعدة تفكيرهم التي خربتها الكنيسة من جهة، والداروينية من جهة أخرى.

ومهما يكن من أمر أوروبا، ونظرتها إلى الدين ونظرتها إلى الإنسان، فالتفسير الإسلامي للتاريخ شيء قائم بذاته، لا علاقة له بالظروف الخاصة التي مرت بها أوربا فحرفت نظرتها إلى كل أمور الحياة.

إنما يستمد التفسير الإسلامي للتاريخ من الإسلام: من المقررات الإسلامية عن الوجود كله، سواء الوجود الإلهي، أو الوجود الإنساني، أو الوجود المادي، وعلاقة الخالق بمخلوقاته، وعلاقة الخلق بخالقهم، والسنن التي يجري بها الله أمر البشر وأمر الكون المادي سواء.

هذه المقررات ربانية من جهة أن مصدرها هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن التطبيقات المبنية عليها بشرية، لأنها تعتمد على مدى فهم البشر لهذه المقررات، وطريقة استنباطهم لما يستنبطون منها من تفسيرات. أي أن ما نطلق عليه"التفسير الإسلامي للتاريخ"اجتهاد بشري، يخطئ ويصيب، شأنه شأن اجتهاد البشر في استنباط نظرية تربوية، أو نظرية نفسية، أو نظرية اقتصادية، أو نظرية اجتماعية، من المقررات الثابتة الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي عرضة دائمًا للمناقشة والتصويب ككل فكر يصدر عن"الإنسان"، ولكنها تظل في جملتها ذات خصائص مميزة، لأنها تدور في فلك هذه المقررات الربانية ولا تخرج عنها ولا تصادمها، ومن ثم فهي أقرب إلى الدقة وأقرب إلى الصواب من الاجتهادات البشرية غير المنضبطة بهذه الضوابط، التي نرى نماذج منها في التفسيرات الأوروبية المعاصرة لقضايا الكون والحياة والإنسان.

يختلف التفسير الإسلامي للتاريخ عن كلا التفسيرين الغربيين في نظرته المبدئية إلى"الإنسان"، ومن ثم يختلف عنهما في القضايا التي تتعلق بذلك الإنسان، والتي تكوِّن في مجموعها تاريخه.

(1) انظر كتاب"قصة الحضارة"وكتابه"مباهج الفلسفة"في مواضع متعددة.

(2) انظر إن شئت كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"فصل"الدين والكنيسة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت