وقد لا يختلف المؤرخون في سرد الحوادث إذا اتحدت المصادر التي يرجعون إليها، وخلصت نياتهم فلم يتدخل الهوى في إثبات بعض الأمور وإسقاط بعضها الآخر [1] . ولكن التفسير والتقويم يختلفان حتما من مؤرخ لمؤرخ حسب موقفه من قضايا"الإنسان"، بل حسب تصوره للإنسان ذاته: ما طبيعته؟ ما تكوينه؟ ما قدراته؟ ما مدى فاعليته؟ ما دوره في الأرض؟ ما السنن التي تحكم حياته؟ ما المعيار الذي يقوّم به إنجازه؟ ما موقفه من الضغوط المادية والاقتصادية والسياسية والنفسية الواقعة عليه؟ ما طبيعة الصراع الدائر في الأرض؟ .. الخ .. الخ.
وثمة شيء آخر وقع فيه ذلك"المثقف"الذي يقول تلك القولة، هو أنه أخذ التقديم الأوروبي للتاريخ على أنه هو التاريخ!! وهو الحقائق النهائية التي لا تقبل الجدل ولا تقبل المراجعة .. ومن ثم لم يعد يتصور أن هناك صورة أخرى يمكن أن يقدم بها التاريخ غير تلك الصورة!! بل رأى أن مجرد التفكير في تقديم التاريخ على صورة أخرى وعلى قاعدة أخرى أمر مستنكر لأنه يخالف"حقائق العلم"!! هذا مع كون الواقع الغربي يشهد تفسيرين اثنين للتاريخ لا تفسيرًا واحدًا -بصرف النظر مؤقتا عن مدى الفارق الجوهري بين التفسيرين- أحدهما هو التفسير الغربي"الليبرالي"للتاريخ، والثاني هو التفسير المادي للتاريخ!! ولكن ذلك"المثقف"الذي صيغ صياغة غربية، قد ينظر إلى التفسير المادي للتاريخ على أنه بدعة مستحدثة قام بها ماركس وأتباعه، قد يكون فيها شيء من الحق لأنها أوروبية على أي حال! أما التفسير الإسلامي للتاريخ فهو في نظره بدعة منكرة لا أساس لها من"البحث العلمي"على الإطلاق!! وحسبها نكارة أنها لم ترد في أي مرجع أوروبي من المراجع"العلمية"المعتمدة التي استقى منها أفكاره وتصوراته!
ولا شك أن مثل هذا الإنكار الشديد لم يعد اليوم على صورته التي كانت من قبل، فقد أصبحت الفكرة مألوفة عند كثير من الناس بتأثير الصحوة الإسلامية التي قلنا في غير هذا الكتاب إنها قدر الله الغالب، وإنها العودة إلى النبض الطبيعي لهذه الأمة، العودة التي لا تستغرب، ولا يبحث لها عن أسباب، لأنها عودة إلى المجرى الطبيعي الذي سارت عليه أمور هذه الأمة ما يقرب من ثلاثة عشر قرنا بلا انقطاع. إنما الذي كان يستغرب، ويبحث له عن أسباب هو الانحراف عن هذا المجرى خلال القرن الرابع عشر من حياة الأمة إلى مجرى مغاير لا يتفق مع عقيدة الأمة ولا مقوماتها الرئيسية [2] .
ولكننا -وإن خف الإنكار، أو اختفى من ألسنة بعض"المثقفين"استحياء منهم من الظهور بمظهر المتخلف عن مجرى الصحوة الإسلامية- ما زلنا في حاجة إلى دراسات مستفيضة للتفسير الإسلامي للتاريخ، حتى يتعرف الناس على حقائقه التفصيلية، بعد أن عرفوا شيئًا عن عموامياته، وشيئًا عن اتجاهه العام.
وهذا الكتيب لا يمكن بطبيعة الحال أن يتسع لدراسة مستوعبة للموضوع، إنما هو بالأحرى دعوة للمختصين لكي يقوموا بهذه الدراسة.
إنما قصاراه أن يكون إشارة إلى القضايا الرئيسية التي أحسب أن الدراسة المستوعبة ينبغي أن تتناولها بالبحث لكي تتم للتفسير الإسلامي مقوماته المتميزة، التي يتميز بها تميزا واضحا عن كلا التفسيرين الغربيين القائمين اليوم في الساحة.
وبهذه المناسبة نقول إن التفسيرين الغربيين قد لا يختلفان كثيرا في الجوهر، فكلاهما في الحقيقة تفسير"مادي"للتاريخ!! كلاهما يتناول من حياة الإنسان الجوانب الأقرب إلى عالم المادة وعالم الحس، ويهمل الإنسان الكُلَّ الذي يشمل الجسد والروح؛ يشمل عالم الضرورة وعالم القيم الطليقة من قيد الضرورة.
(1) ووقليلا ما يحدث ذلك!
(2) انظر كتاب"واقعنا المعاصر"فصل"الصحوة الإسلامية".