إن هذه القضية وثيقة الصلة بتفسير التاريخ، لأنها تتصل مباشرة بالمعيار الذي يقوّم به الإنجاز البشري خلال التاريخ .. هل لكل عصر معاييره؟ أم أن هناك معيارا واحدًا يقوّم به"الإنسان"في جميع العصور؟ وإذا ثبتنا المعيار فكيف نقيس ما يتغير في حياة الناس؟ وكيف نفاضل بين قوم وقوم في الأمور المتغيرة، إذا لم تدخل المتغيرات في المعيار؟!
تلك هي القضية التي نريد أن نعرضها في هذه العجالة، وتلك هي صلتها بعلم التاريخ ..
إن حياة الإنسان قد تغيرت ولا شك كثيرا منذ الإنسان الأول إلى عصرنا الحاضر، وهي عرضة لمزيد من التغيير في المستقبل حتى يرث الله الأرض ومن عليها .. ولكن ما الذي تغير على وجه التحديد: الجوهر أم الصورة؟
إذا بدأنا بالقضية الأساسية الأولى وهي تكوين الإنسان من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، وتأثير هذا الازدواج الذي كان في النشأة الأولى في كون الإنسان ذا طريقين اثنين لا طريق واحد، وكونه قادرا على التمييز بين الطريقين واختيار أحدهما .. وهي القضية التي يقوم عليها في الحقيقة تفسير التاريخ وتقويم منجزات الإنسان .. فما الذي تغير في هذه القضية، بل ما الذي يمكن أن يتغير؟!
الذي تغير في الحقيقة هو ظهور نظريات"علمية"زائفة تريد أن تلغي أثر النفخة العلوية في تكوين الإنسان، وترده إلى مرتبة الحيوانية -وإن تطور! - أو ترده إلى مرتبة المادة -وإن تطورت- وتضع- أو تحاول أن تضع- تفسيرا لحياته على هذا الأساس!
ولكن الواقع الذي نشاهده في كل لحظة أن الإنسان يتصرف بطريقة مخالفة للحيوان ومخالفة للمادة ..
فإذا قلنا -جدلا- إن الحيوان المتطور، أو المادة المتطورة، يتصرفان على هذا النحو"الإنساني"فقد وجب إذن أن نخصص لهذا الحيوان المتطور -أو تلك المادة المتطورة- معايير"إنسانية"وتفسيرا"إنسانيا"منذ اللحظة التي دخل فيها مرتبة الإنسانية، بصرف النظر عن ماضيه السحيق، الذي قد يبلغ بضعة آلاف الملايين من السنين!!
ومنذ أصبح الإنسان إنسانا فقد كان هذا حاله وهذا ديدنه: له طريقان، وله القدرة على التمييز بين الطريقين واختيار أحدهما. ومن ثم كان لأعماله معيار أخلاقي ملازم، ناشئ من طبيعته الإنسانية، وليس مفروضا عليه من خارج نفسه.
وتلك من القضايا الرئيسية في تفسير التاريخ.
فإذا اتفقنا على هذا القدر فقد بقيت مشكلة أخرى هي ثبات المعايير الخلقية ذاتها وعدم تغيرها أو"تطورها"كما تزعم النظريات المادية التطورية .. وأهما ما تجادل فيه تلك النظريات هو الفوضى الجنسية المعاصرة، ومحاولة إعطائها شرعية"أخلاقية"! والقول بأن الزواج والأسرة ليسا من الفطرة ..
فدوركايم يحاول أن يؤصل الفوضى لا بالنسبة للوقت الحاضر فحسب، بل تاريخيا كذلك!:"وقد أراد بعضهم تفسير نشأة كل من الدين والزواج والأسرة على هذا النحو (أي أنها من الفطرة) ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان" [1] .
والتفسير الجدلي يربط بين الأسرة وضوابطها الخلقية وبين الملكية الفردية ومبدأ"الاستغلال"البغيض! فإذا ألغيت الملكية الفردية من جهة، واستقلت المرأة اقتصاديا من جهة أخرى فقد انحل هذا القيد البغيض، قيد الزواج والأسرة، وأصبحت علاقات الجنسين حرة بلا عوائق .. وأصبحت هذه هي"الأخلاق"المتطورة، التي تناسب"المادة المتطورة"-أي الإنسان! -في النظام الشيوعي!
(1) دوركايم، قواعد في علم الاجتماع، ترجمة الدكتور محمود قاسم ومراجعة الدكتور السيد محمد بدوي، ص173.