الصفحة 97 من 110

أما في غير حالات الثورة .. أي في حالات الاستكانة للاستغلال والطغيان والظلم -وهي الحالات الغالبة في حياة الأمم الجاهلية، حتى الديمقراطية [1] - فالجماهير في حالة سلبية، والذي يطغى على السطح هو الفرد الممتاز .. أو الطبقة الممتازة .. سواء!

ولا تختلف النتيجة بالنسبة لللسنة الربانية .. فالجماهير السلبية مسئولة عن النتائج التي تحدث نتيجة سلبيتها، وليس كونها مظلومة معفيا لها من المسئولية في الدنيا والآخرة سواء.

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [سورة النساء: 97 - 99] .

والذي ورد في الآيات بشأن الهجرة هو ملابسة خاصة بالأمة المسلمة بعد قيام الدولة المسلمة في المدينة، وسقوط العذر عمن بقي في أرض الكفار ولم يهاجر إلى الأرض الإسلامية بحجة الاستضعاف. ولكن البشر كلهم مسئولون يوم القيامة -من بلغته دعوة الرسل منهم- عن سكوتهم عن الظلم الأكبر الواقع عليهم من تحكيم غير شريعة الله، بسبب عدم إيمانهم بالرسل الذين أرسلوا إليهم، وعدم جهادهم ليكون الدين لله:

(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) [سورة القيامة: 14 - 15] .

فالاستضعاف الذي يتتبعه التفسير الجدلي ويفسر من خلاله التاريخ، هو أمر واقع في المجتمع الجاهلي الذي لا يحكّم شريعة الله، ولكنه ليس حتمية تاريخية كما يزعم ذلك التفسير فلو أنهم آمنوا واتقوا لتغير حالهم:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [سورة الأعراف: 96] .

وفي جميع الأحوال سلبا أو إيجابا، يشترك الفرد والمجتمع في كتابة التاريخ، من خلال السنن الربانية التي يجري بها قدر الله في الأرض ويتحرك من خلالها"الإنسان"!

(1) الديمقراطية في حقيقتها -كما بينا في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"- مسرحية جميلة تبدو فيها الجماهير كأنما هي التي تحكم بالفعل! ومن وراء المسرحية ومن خلالها تحكم الرأسمالية -أو يحكم اليهود- ويعبثون بآدمية الجماهير!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت