الصفحة 96 من 110

وقد تعرض المجتمع الإسلامي -أو الأمة الإسلامية- لنكبات وكوارث وضربات وفتن، لو تعرضت لها أي أمة جاهلية -أي غير ذات عقيدة صحيحة في الله- لذابت وتلاشت إلى غير رجعة. ففي حربين اثنتين تعرضت لهما أوروبا خلال ربع قرن انحل من أخلاقها وقيمها شيء كثير، وتكونت فيها عصابات من الأطفال والمراهقين تقتل وتسرق وتنهب وتكسر قيود الآداب والأخلاق، بينما القوة المادية والحربية والسياسية والعلمية والتكنولوجية قائمة لا تزال .. فما بال لو خاضت أوروبا الظروف التي خاضتها الأمة الإسلامية خلال أربعة عشر قرنا، ووقع لها من النكبات والحروب والفتن ما وقع لها ماذا كان يتبقى منها؟ ومع ذلك كله تقوم في الأمة صحوة تبشر بالخير ... !

ومهما يكن من أمر الأمة الإسلامية وأحوالها فمما لا شك فيه أن العقيدة عنصر تماسك في الأمة تفتقده الأمم الجاهلية، فيكون استسلامها للفساد أشد، ووقوع"جماهيرها"تحت ضغط الطغيان المفسد أكبر.

وهنا يختلف التفسيران الماديان في نظرتهما إلى قضية الفرد والمجتمع ..

فأما التفسير الليبرالي فهو أميل -كما أسلفنا- إلى تفسير التاريخ من خلال الأفراد المتميزين، والميزة هنا لا تقتضي الأفضلية، فقد يتميز الفرد بجبروته وطغيانه كما كان لويس السادس عشر الذي قال:"أنا الدولة والدولة أنا"L Etat, c est moi. Je suis I Etat .. وكما كان نابليون، وكما كان هتلر ..

وأما التفسير الجدلي فهو يفسره من خلال الطبقة، والصراع الطبقي، ولا يعترف بأثر للفرد المتميز، سواء كان متميزا في الخير -كالأنبياء والدعاة والمصلحين- أو متميزا في الشر، كالطغاة كلهم على مدار التاريخ.

بل يزعم التفسير الجدلي أن صلاح من كان صالحا من الأفراد المتميزين، وشر من كان شريرا منهم إن هو إلا انعكاس للطور الاقتصادي الذي يظهر فيه أولئك الأفراد ولمكانهم الذي يكونون فيه من الحتمية التاريخية!

وهم بطبيعة الحال لا يعترفون بالنبوات والوحي، فيسقطون أثر الأنبياء في توجيه البشرية، ويغمضون أعينهم عنهم، كأنما حين يغمضون أعينهم يمحون وجودهم من التاريخ!

ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم ودينه أصلب وأعظم وأوضح وأبقى من أن يغمضوا عيونهم عنه، فإنهم لم يجادلوا في وجوده، ولكنهم راحوا يتمحلون في محاولة تفسير الإسلام بحسب قوانين التفسير المادي للتاريخ، فتخبطوا، وسيظل ظهور الإسلام في الوقت الذي ظهر فيه، وما حواه من القيم والمبادئ أكبر تحد لذلك التفسير.

على أن الذي يهمنا في القضية في مقامنا الحاضر هو أمر الفرد والمجتمع، وأيهما الذي يكتب التاريخ.

حقيقة الأمر أن الفرد والمجتمع كليهما يشتركان في كتابة التاريخ، ولكن اشتراك المجتمع ليس إيجابيا بالضرورة في كل حالة بالنسبة للأمم الجاهلية .. إنما تظهر إيجابيته في الثورات التي قامت بها الجموع ضد الطغيان والظلم، بصرف النظر عما يردده التفسير الجدلي من أن الثورة الناجحة لا تكون إلا حين تتهيأ ظروفها المادية والاقتصادية، فتصبح حتمية تاريخية. فإنما نتحدث هنا عن الثورة في ذاتها بصرف النظر عن نجاحها أو إخفاقها .. فلا شك أن الثورة حركة إيجابية من جانب الجماهير، ولا يغض من قيمة هذه الحقيقة أن الثورة تتجمع دائما حول فرد ممتاز أو مجموعة من الأفراد الممتازين يقودون الثورة ويوجهونها. فالعبرة بتحرك الجماهير في النهاية واستجابتهم -بإيجابية- لنداء الفرد الممتاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت