ولكن الإشارة ذات الدلالة هي قوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فهنا إشارة وإشادة بالمؤمنين، الذين أيد الله بهم رسوله (صلى الله عليه وسلم) وهي في الوقت ذاته إشارة وإشادة بدور"المجتمع"في إحراز النصر والتمكين لهذا الدين، وأن هذه سنة من سنن الله: أن يكون هناك مؤمنون مجاهدون متآلفون متحابون يكونون ستارا لقدر الله، فينفذ الله بهم قدره.
ويقول تعالى عن هذا"المجتمع"الذي أصبح"أمة":
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [سورة آل عمران: 110] .
فيبرز دور الأمة وواجباتها، ويبين كيف تكتب التاريخ.
لقد كانت هذه الأمة التي أخرجها الإسلام ورباها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه، هي التي خلفت الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته، وهي التي فتحت الأرض، وفتحت القلوب للإسلام، بتحقيقها المنهج الرباني في ذات نفسها، وبدعوتها إلى الله، وبجهادها في سبيل الله .. وذلك هو نصيبها في كتابة التاريخ.
وظلت هذه الأمة تمارس المنهج الرباني -وإن تزحزحت عن بعض قيمة ومبادئه -قرونا متوالية، فكتب بذلك صفحات مجيدة في التاريخ البشري. ولما زاد انحرافها، مع قلة الأفراد الممتازين -من العلماء والدعاء والمربين والموجهين- لتذكيرها، وردها إلى الطريق، ظلت صفحتها في التاريخ تنحسر رويدا رويدا حتى كادت تخرج من التاريخ!
ولكن الصحوة الإسلامية ذات دلالة واضحة .. إن الأمة ما زال لها دور تؤديه في التاريخ، لنفسها وللبشرية كافة كما كان دورها من قبل.
وخلاصة القول أنه في الأمة المؤمنة -أمة العقيدة- يقوم الفرد والمجتمع كلاهما بنصيبه في كتابة التاريخ.
فإذا تجاوزنا الأمة المؤمنة -أمة العقيدة- ونظرنا في تاريخ الجاهليات، نجد الأمر قد اختلف نوعا من الاختلاف، سببه الأول هو سلبية"الجماهير".
وحقيقة إن"الجماهير"فيها -دائما- قدر من السلبية، حتى في أمة العقيدة. ولقد كانت هذه السلبية في أمة العقيدة هي التي تسببت في الانحراف التدريجي لهذه الأمة عن طريق الله المستقيم، حتى صارت في النهاية إلى ذلك الغثاء الذي حذرها منه رسول الله. والذي ضرب الله بني إسرائيل مثلا للأمة الإسلامية لكي تحذر الوقوع فيما وقعوا فيه، ولكنها وقعت في نهاية الأمر، فأصابتها سنة الله التي لا تتبدل ولا تحابي ولا تجامل. ومحور السنة هو تحقيق المنهج الرباني في واقع الأرض أو اتخاذه"تراثا"يدرس ولا يطبق:
(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة الأعراف: 169] .
ولكن يظل الفارق بين أمة العقيدة والأمة الجاهلية أن"الدين"تبعة، ولا يزال يذكر الإنسان بربه، وبواجبه نحو ربه، ويضبط سلوكه بنوع من الضوابط، تأخذ في المجتمع المؤمن صورة"تقاليد"أصولها مستمدة من تعاليم الدين. فيظل ذلك المجتمع متماسكًا مدة أطول، مستعصيا على الفساد والانحلال والذوبان مدة أطول.