إنهم أفراد ممتازون نعم .. ولكنهم في ذات الوقت حملة"منهج"والإشادة بهم ذات شقين في آن واحد: إشادة بالمنهج الذي يحملونه إلى البشر -وهو المنهج الرباني- وإشادة يأشخاصهم باعتبار أنهم أصفى الممثلين لهذا المنهج والمترجمين عنه بصفاتهم النفسية وسلوكهم الواقعي. وفي قمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه ربه تعالى بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [سورة القلم: 4] . وقالت عنه عائشة رضي الله عنها"كان خلقه القرآن" [1] .
ثم إنهم بامتيازهم هذا المتمثل في المنهج الذي يحملونه، وفي تحقيقهم للمنهج في ذوات أنفسهم، كانوا ذوي أثر ضخم في حياة البشرية، هو أكبر أثر في تاريخ البشرية كله.
من أجل هذا يختفل بهم التفسير الإسلامي للتاريخ، ويسجلهم في أوسع صفحاته.
ليست المسألة إذن بطولة -مجرد بطولة- ولا عبادة بطولة، كما يصفها كارليل، ممثلا في ذلك اتجاها رئيسيا للتفسير الليبرالي، إنما هي"الهداية"إلى الله، وإلى منهجه في الحياة، أثمن ما يقدم للبشر في حياتهم وأشد ما يؤثر في مصيرهم.
ولكن هنا وقفة مع التفسير الإسلامي، حتى وهو يبرز الفرد الممتاز، ويشيد بامتيازه ..
إنه لا يكتفي بتقديم صورته الفذة وتسليط الأضواء عليها من أجل إثارة الإعجاب فحسب، أو الإعجاب والحب فحسب، أو الإعجاب والحب والتوقير فحسب.
إن أبرز نقطتين يحتفل بهما التفسير الإسلامي هما: روعة تحقيق النبي للمنهج في ذات نفسه، وروعة جهادة لتحقيق المنهج في مجتمع من الناس.
المنهج في الحالين نقطة ارتكاز.
والفرد الممتاز -وهو هنا النبي- والمجتمع الممتاز- الذي ينشئه النبي- هما التجسيد الحي للمنهج في واقع الحياة، وكلاهما موضع اهتمام عظيم في التفسير الإسلامي للتاريخ.
ودور المجتمع الذي يهتم به التفسير الإسلامي، ليس مجرد التأثر بشخصية الفرد الممتاز، أو التأثر بأفكاره ومبادئه، إنما هو تحويل ذلك إلى واقع. وهو عملية إيجابية ضخمة، تختلف اختلافا رئيسا عن مجرد التأثر أو الحب أو الإعجاب أو التوقير.
يشيد التفسير الإسلامي بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناقبه الشريفة، وعظمة شخصيته، وجهاده الفذ. ويشيد في الوقت ذاته بالمجتمع الذي أنشأه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه من خلال هذا المجتمع قام الإسلام بمهمته في الأرض، وكان ما كان من أثره في حياة البشرية.
وبخصوص القضية التي أنشأنا من أجلها هذا الفصل من الكتاب نقول: إن الفرد والمجتمع كليهما يكتبان التاريخ. لا الفرد الممتاز بمفرده، ولا المجتمع بمفرده. إنما هو القائد، والمجتمع بقيادة القائد، كلاهما ركن أساسي في صناعة التاريخ!
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:
(هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) [سورة الأنفال: 62 - 63] .
وهي إشارة ذات دلالة .. بل دلالات ..
يقول تعالى في غير هذا الموضع: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ) [سورة آل عمران: 160] . فيقرر سبحانه أن من ينصره الله لا يغلب، فحين يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ) فهذه وحدها تكفي للدلالة على أن النصر قد كتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يغلبه أحد من الكفار، ومعنى ذلك هو التمكين له ولدينه صلى الله عليه وسلم.
(1) أخرجه مسلم.