(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [سورة الإنسان: 2] .
(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [سورة الكهف: 7] .
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [سورة الملك: 2] .
فالابتلاء هو لب حياة الإنسان، وهو الذي يجعل لحياته معنى، ولوجوده غاية. والابتلاء يقتضي أن تكون هناك"مادة"يختبر فيها الإنسان. والمادة -كما أشرنا من قبل- هي المتاع المبذول للناس في الأرض، المزين لهم، الذي يجدونه بين أيديهم وهم يقومون بعمارة الأرض. والاختبار في هذه المادة هو سؤال جوهري، يتشعب شعبا شتى، ولكنه في أصله واحد، وفي غايته واحد: هل يلتزم الإنسان في تناول هذا المتاع بما أنزل الله؟ أم يتبع الهوى والشهوات؟
وكل ما جاء في الكتاب والسنة من أوامر ونواه وأحكام وتوجيهات هو بيان لما أنزل الله في شأن هذا المتاع في مجالات الحياة المختلفة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. إلخ. ويبقى السؤال الوارد في الاختبار واحدا في كل حالة: هل التزم الإنسان في مجالات حياته المختلفة -السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. إلخ- بما أنزل الله؟ أم اتبع الهوى والشهوات، سواء كان هواه هو الشخصي أو هوى طائفة من البشر أو هوى البشر جميعًا .. كلها سواء.
وإذا كان هذا هو الشأن في خلق الإنسان وابتلائه، فإن مجرد الاستحواذ على العطاء الرباني ليس في ذاته معيارا من معايير الوجود البشري الرئيسية، إنما المعيار الرئيسي هو: ماذا فعل الإنسان بالعطاء الرباني الذي حصل عليه.
صحيح أن الحصول على هذا العطاء هو ذاته له سنن. فهو مبذول من عند الله ابتداء، ولكن تحصيله يحتاج إلى جهد يبذله الإنسان، وهذا الذي أشار إليه عمر رضي الله عنه وهو يقول للكسالى القابعين في المسجد ينتظرون رزق الله:"لقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة"..
لا بد من بذل الجهد، لأن الكدح للحصول على ما يرغب الإنسان في تحقيقه هو ذاته من سنن الله:
(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [سورة الانشقاق: 6] .
ولا يستوي القاعدون عن الكدح والقائمون به. لا يستوون في مقدار العطاء الرباني الذي يحصلون عليه، ولا يستوون في النتائج المترتبة على سلوكهم، ولا يستوون في التقويم النهائي لوجودهم على الأرض.
ولكن .. كما أنه في تقويم"الشخصية"الإنسانية توضع أرقام لبعض الجوانب أعلى مما يوضع لجوانب أخرى، لأهميتها الذاتية في عملية التقويم، بينما توضع لجوانب أخرى أرقام أقل مهما يكن تفوق الإنسان فيها .. فكذلك في"التقويم التاريخي"يوضع الرقم الأعلى لا لمقدار العطاء الذي حصلت عليه أمم من الأمم، إنما يوضع الرقم الأعلى في التقويم لطريقة التصرف في ذلك العطاء، وهل التزم فيه الإنسان بما أنزل الله أم لم يلتزم .. لأن هذا لب الاختبار.
ومن هنا تختلف الصورة في الحياة الدنيا في كثير من الأحيان عن الصورة في الآخرة، ولكن لا يختلف التقويم ولا يختلف المقياس.
خذ مثلا هذه الصورة: