(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ، فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ) [سورة القصص: 76 - 81] .
وهذه الصورة:
(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة هود: 15 - 16] .
فهاتان نهايتان مختلفتان لأفراد يبذلون جهدا للحصول على متاع الحياة الدنيا -المبذول من الله للجميع، يحصلون منه على قدر ما يجتهدون في تحصيله- ولكن على غير هدى من الله، وعدم التزام بما أنزل الله، وكلتا النهايتين من سنن الله. فإما أن يدمر عليهم في الحياة الدنيا بعد فترة من التمكين وإما أن يؤجل لهم العذاب إلى الآخرة ويدعهم لمتاعهم الأرضي يستمتعون فيه بقدر ما يجتهدون. ولكن العبرة في السنة -كما هو واضح من سياق الآيات- ليس بمقدار العطاء الرباني الذي حصلوا عليه إنما بالطريقة التي تناولوا بها ذلك العطاء، فهنا الابتلاء الحقيقي الذي ينالون عليه التقدير النهائي، سواء أمهلوا في الحياة الدنيا أم لم يمهلوا. ومصيرهم في الآخرة واحد.
وإذا كان الاختلاف في النهاية الدنيوية يقع بالنسبة للأفراد فهو لا يقع بالنسبة للمجموع. فإنما هو الدمار في النهاية في جميع الأحوال جزاء على مخالفة أوامر الله وتوجيهاته. وتلك سنة حتمية لا تبديل لها ولا تحويل فيها. إنما يقع الاختلاف في المدة التي تسبق التدمير .. أي في فترة الإملاء:
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) [سورة الحج: 48] .