فالدمار نهاية حتمية مؤكدة بالنسبة للحائدين عن منهج الله. إنما تختلف سرعة التدمير بقدر من الله. وهذا القدر ذاته يجري من خلال سنن أخرى عاملة في الحياة البشرية. فالواقع أن السنن الربانية لا تعمل فرادى، إنما تعمل مجتمعة، وتكون النتيجة الواقعية هي حصيلة السنن العاملة كلها في آن واحد، أو بالأحرى حصيلة تعامل الإنسان مع مجموعة السنن التي تعرض لها في أثناء حركته في الأرض. فحين يكون اجتهاد البشر كبيرا، ومحكما، ومنظما، ومخططا، ومنظورًا فيه إلى عوامل كثيرة في الوقت الواحد، فهو أحرى أن يطول بقاؤه في الأرض، وأن يكون دماره أبطأ، وإن كان حتمي الوقوع، لأن كل واحد من هؤلاء تتعامل مع سنة من السنن، وتكون جزءا من الحصيلة النهائية. فليست السنة الوحيدة العاملة في هذا الأمر هي التدمير النهائي، إنما هذه واحدة من السنن، وحين تترافق معها السنن الأخرى فهي تحدد -بقدر من الله- إن كان الدمار سريعا أو بطيء الوقوع.
ولهذا الأمر أهميته العظمى في دراسة التاريخ .. وبخاصة تاريخ الجاهليات. فإن الجاهليات ذات لألاء بالنسبة للجاهليين! وانظر إلى القوم الذين قالوا: يا ليت لنا مثلما أوتي قارون! وانظر إلى المفتونين بالجاهلية المعاصرة وإنجازاتها ..
لذلك يركز القرآن -ويركز مثله التفسير الإسلامي للتاريخ- على النهاية الحتمية التي يؤول إليها المنحرفون عن المنهج الرباني- وهي الدمار- وذلك لأن عمر الفرد القصير المحدود لا يتسع لرؤية السنة بأكملها متحققة في عالم الواقع، فيبهره اللألاء ويغفل عن النهاية لأنه لا يراها، وقد تنقضي أجيال كثيرة قبل أن تحدث، فتغفل عنها أجيال بأكملها، لذلك لا بد من تنبيه الغافلين حتى لا يأخذهم البريق الزائف فينسيهم عاقبته.
ونحن نرى في التفسير الليبرالي خاصة ذلك الانبهار الشديد بجاهليات التاريخ، وبخاصة الجاهلية الفرعونية والجاهلية الإغريقية والجاهلية الرومانية. وسواء كانت الإشادة بهذه الجاهيات مقصودة -كما نرجح- انتقاما من الكنيسة ودينها، ومكايدة لها بإبراز الجاهليات الوثنية على أنها أعظم أثرا وأضخم قيمة وأثقل وزنا من الفترة التي حكمت فيها الكنيسة العالم المسيحي .. أو كانت أمرا طبيعيا بالنسبة للجاهليين، إذ يبهرهم الإنجاز المادي والحسي ويهملون عالم القيم، فتبهرهم من ثم تلك الجاهليات بما تحتوي عليه من إنجاز مادي وحسي، ولا يحسون بما فيها من انحراف ونقص في الجانب الروحي وما يشتمل عليه من قيم وعقائد ..
سواء كان هذا أو ذاك هو السبب (وهما غير متعارضين في حقيقة الأمر) فإن التفسير الإسلامي للتاريخ ينبغي أن يتصدى لهذه القضية بالذات، فيزيل عن الجاهليات ذلك البريق الزائف الذي يبهر الجاهليين، ويعرضها في حقيقتها الربانية، من خلال السنن الربانية التي توضح حقيقتها.
فأما ما فيها من إنتاج مادي فهو من ذلك العطاء الذي يمد الله به جميع البشر:
(كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) [سورة الإسراء: 20] .
(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) [سورة هود: 15] .
كما أنه جار على سنة الإملاء للكفار وتمكينهم تمكين الاستدراج ليزدادوا إثما:
(إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [سورة آل عمران: 178] .
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) [سورة الأنعام: 44] .
وسواء جاء الدمار بسبب الترف الذي يصيب تلك الجاهليات بعد أن تمكن في الأرض: