وكانت الأهرامات الفرعونية قمة في الإنجاز المادي والعلمي، ما يزال كثير من أسرارها خافيا حتى اليوم، يعجز العلم عن إدراك ما وراءه .. والتفسير الليبرالي بصفة خاصة يشيد إشادة ضخمة بالإنجاز الفرعوني كله، ومن بينه تلك الأهرامات .. فما التقويم النهائي لها في المعيار"الإنساني"الذي يأخذ الإنسان في مجموعه، ولا يقومه بجانب واحد من جوانبه، ولا مجال واحد من مجالاته؟
إذا نظرنا إلى التفسير اللليبرالي نجده مأخوذا بالإنجاز المادي بصفة خاصة، كا أنه مأخوذ بالإنجاز السياسي والحربي إلى حد كبير وكذلك بالإنجاز الفكري .. أما الإنجاز"الروحي"فهو عنده في ذيل القائمة، إن كان له وزن عنده على الإطلاق!
وتفسير ذلك بالنسبة للتفسير الليبرالي أمر غير عسير، وقد أوضحناه من قبل، من قيام"النهضة"الأوروبية على عداء مع الدين، وامتداد هذا العداء في أوروبا إلى الوقت الحاضر، بالإضافة إلى كون أوروبا الحديثة هي وريثة"الحضارة"الرومانية الإغريقية، وقد كانت الرومانية بارعة ومزهوة بالإنجاز المادي والحربي، وكانت الإغريقية مزهوة بالإنجاز الفكري التجريدي. فإذا أضيف إلى ذلك ما تأثرته أوربا بالداروينية في العصر الحديث، وبفكرة الصراع من أجل البقاء، وكونها غاية الحياة في جميع الأحياء بما في ذلك الإنسان، فإن الصراع من أجل البقاء إن تكن وسيلته في عالم الحيوان هي القتال، فإن وسيلته في عالم الإنسان هي الحرب والسياسة!
وبذلك تجتمع لدينا كل خيوط التفسير الليبرالي للتاريخ: اهتمامه الشديد بالإنجاز المادي، وإعجابه بالإنجاز السياسي والحربي والفكري، وإهماله الشديد للإنجاز الروحي .. وتقويمه للتاريخ بهذا المعيار المختل، الذي أخلت بتوازنه ظروف أوروبا الخاصة، ثم أتاحت الظروف السياسية والعسكرية والمادي لأوروبا أن تغلب على العالم، وتنفث فيه تصوراتها الخاصة، ويتلقفها المهزومون على أنها الحق الذي لا يقبل النقاش، كما حدث للدارسين"المسلمين"من خلال الغزو الفكري!
أما التفسير الجدلي فلا معيار عنده لشيء إلا مواءمة الطور التاريخي الحتمي أو عدم مواءمته! فإنك لا تلمس في هذا التفسير إعجابا بشيء أو إشادة بشيء إلا المشاعية الأولى والشيوعية الثانية، لا بدراسة علمية حقيقية، ولكن بالهوى المذهبي وحده.
فالمشاعية الأولى -كما يصورونها بغير سند علمي حقيقي- فترة ملائكية في حياة البشرية، سبب ملائكيتها عدم وجود ملكية خاصة، ووجود الملكية الجماعية بدلا منها، سواء بالنسبة للأرض، أو بالنسبة للطعام، أو بالنسبة للجنس! فلما وجدت الملكية الفردية بدأت العبودية وبدأ الشقاء، واستمر ينتقل من طور إلى طور؛ من الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية، إلى أن يدخل العالم في الشيوعية الثانية، فتتحول الملكية الصناعية والزراعية إل ملكية جماعية، وتعود الشيوعية الجنسية الكاملة، وتلغي الأسرة، فعندئذ تعود الملائكية ترفرف على البشر مرة أخرى، وينتهي الصراع إلى الأبد ويصبح القانون الذي يسير الحياة: من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته .. فلا يتنازع الناس ما بقيت السموات والأرض!!
وبصرف النظر عن السذاجة غير العلمية في هذا التصور .. وبصرف النظر عن"أفيون الشيوعية"الأكبر، الذي كانت تخدر به الجماهير الكادحة لترضى بالظلم السياسي البشع الواقع عليها من"النظام"على أمل أن تسعد بتلك الملائكية المزعومة في يوم من الأيام [1] .. بصرف النظر عن هذا كله فإننا نبحث هنا عن نقطة واحدة، هي المعيار الذي يقوم به الإنجاز البشري ..
لا معيار!
(1) ناقشت هذه الدعاوى كلها في فصل"الشيوعية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".