إن التفسير الجدلي مشغول دائما بتفنيد دعاوى التفسير الليبرالي وتخطئتها، على أساس أنها تهمل الصراع الطبقي الذي هو العنصر الذي يحرك التاريخ، ولا تضع التاريخ على قاعدته الصحيحة -في نظرهم- وهي المادية الجدلية والمادية التاريخية الحتمية ..
ثم يلتقط هذا التفسير بعض الخيوط العريضة من التاريخ البشري، ليطبق عليها قاعدته، ثم يصيح: انظروا! هذا هو التفسير الصحيح لهذا الحدث أو ذاك!
ولكنه يهمل"الإنجاز البشري"كله أو جله!
إنه في الحقيقة ليس معنيا بالإنسان! إنما هو معني بقوانين المادة التي تفسر -في زعمه- تاريخ الإنسان! ومن هنا فإن الإنجاز البشري -حتى الإنجاز المادي- لا يهمه بصفته إنجازًا"للإنسان"إنما يهمه فقط بوصفه انعكاسًا للأوضاع المادية والاقتصادية، وباعتباره حتمية تاريخية!!
إنه يتكلم -مثلا- عن أثر اكتشاف الزراعة في إنهاء الفترة الملائكية الأولى -وهي المشاعية البدائية- ونقل الناس إلى مرحلة الرق .. وعن أثر اختراع المحراث في نقل البشرية من مرحلة الرق إلى مرحلة الإقطاع. وعن أثر اختراع الآلة في نقل الناس من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الرأسمالية .. فلا تلمس أنه يتكلم عن الإنسان الذي اكتشف الزراعة، أو اخترع المحراث، أو اخترع الآلة، ولا يتكلم عن الزراعة والصناعة على أنها منجزات بشرية! وكأنما هبط المحراث ذات يوم من السماء أو هبطت الآلة، فأحدثت في حياة الناس ما أحدثت من تغيير ..
إن التفسير الجدلي لا يتعاطف مع"الإنسان".. إنما هو يتحدث -بروح الإعجاب والتوقير والتقديس- عن ذلك الإله الجبار الذي يسير حياة الإنسان، وهو المادة وقوانيتها الحتمية .. فإذا التفت إلى الإنسان، وصراعاته، ومنجزاته، فليسجل فقط كيف تحركت تلك الدمى البشرية بين يدي ذلك الجبار القاهر، مغلوبة على أمرها، لا تملك الرفض، ولا تملك التغيير!
ولقد تلمس في بعض الأحيان تباكيا على وضع المرأة المظلومة خلال التاريخ، ووضع البروليتاريا التعيسة التي يستغلها السادة المالكون لأدوات الإنتاج، ولكنك حتى عندئذ لا تلمس تعاطفا حقيقيا مع"الإنسان". فمن معاني"التعاطف"إحساسك وإيمانك بأن الوضع كان ينبغي أن يكون أفضل من ذلك وأرحم وأعدل .. ودون ذلك تقف"الحتميات"التي تقول إن هذا مستحيل! وإن ما وقع بالفعل هو الشيء الذي تسمح به حتميات المادة وحتميات التاريخ، وإن التفكير في تغييره أو النظر إليه من زاوية خلقية، من زاوية الحق والعدل الأزليين، سذاجة علمية يقع فيها السذج الطوباويون لنقص في وعيهم التاريخي ووعيهم الجدلي!
وإذن .. فلا معيار!
لا تستطيع في أي لحظة أن تقول إن هذه الأمة أرقى وأحط من تلك الأمة، ولا أقوى ولا أضعف ولا أنشط ولا أكسل، ولا أكثر إنجازا أو أقل، ولا أجدر بالبقاء ولا أجدر بالفناء ..
إنما أنت في متحف الشمع التاريخي تستطيع فقط أن تقول: هذا رجل من العصر الزراعي، وهذا من العصر الصناعي. وهذه امرأة من المشاعية الأولى أو من الشيوعية الثانية.
أنت مع مجموعة من"الأنماط".. ولست مع"الإنسان"!
في التفيسر الإسلامي للتاريخ، تعيش مع الإنسان، ومع قدر الله، ومع السنن الربانية التي يجري من خلالها قدر الله.
تعيش مع"عملية"الحياة كاملة.
وتشاهد الإنسان في جميع أحواله: مقبلا ومدبرا، مستقيما ومنحرفا، ناشطا ومتراخيا، مهتديا وضالا .. وتشاهد الشبكة الحية التي تصل الأشخاص والأشياء والأحداث، بروابطها الحقيقية، وأحجامها الطبيعية.
ومعيارك الذي تقيس به الأشخاص والأشياء والأحداث هو"الإنسان"كما ينبغي أن يكون، بحسب المهمة التي خلقه الله من أجلها، وبحسب تكوينه الذي خلقه الله به، وبحسب السنن الربانية التي تحكم حياته.