الصفحة 91 من 110

هذا من الوجهة النظرية .. يلغي دور الفرد ويثبت دور المجتمع. أما في الحقيقة فالتفسير الجدلي لا يلغي دور الفرد ليبرز دور المجتمع، بل يلغي دور الفرد والمجتمع جميعا، إذ يلغي دور"الإنسان"كله ليبرز دور الحتمية المادية والحتمية التاريخية، وتسييرهما للفرد والمجتمع جميعًا!

"فالإنسان"في التفسير الجدلي ليس هو الذي يعمل أو يتصرف .. إنما يملي عليه عمله ويملي عليه تصرفه، كما يقول انجلز بصراحة:"تبدأ النظرية المادية من المبدأ الآتي: وهو إن الإنتاج وما يصاحبه من تبادل المنتجات هو الأساس الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي؛ فحسب هذه النظرية نجد أن الأسباب النهائية لكافة التغييرات أو التحولات الأساسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس، أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، وإنما في التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل".

لذلك فإنه من العبث أن تبحث عن دور"الإنسان"في ظل التفسير الجدلي. ومع ذلك فلنصدق -مؤقتا- أنهم يلغون دور الفرد ليثبتوا دور المجموع! ولننظر كيف يمكن تفسير التاريخ من خلال المجموع وحده دون الفرد!

في التفسير الإسلامي لا يوضع الفرد والمجتمع موضع التقابل الحاد، بحيث يصبحان كأنهما معسكران متضادان كل ما يرضى أحدهما يغضب الآخر، ثم يحدث الصراع بينهما لا محالة!

إنما يحدث شيء من هذا في إحدى حالتين: حين يُكبّر الفرد أكبر من حجمه الحقيقي، وتوسع له دائرة"الحرية الشخصية"فيطمع في مزيد من هذه الحرية، ويحس في الوقت ذاته أن الذي يمنعه من"تحقيق ذاته"على النحو الذي يشتهيه هو"المجتمع"بتقاليده وأفكاره وروابطه، فيكره تلك الروابط وتلك التقاليد، ويسعى إلى تحطيمها لينفلت من القيود أكثر .. وتنتهي هذه الحالة -كما انتهت في المجتمع الغربي- إلى تفكيك المجتمع وحل روابطه .. ومع ذلك يوجد فيه من يسعى إلى مزيد من التفكيك -عامدا أو غير عامد- فيقول كما قال سارتر في إحدى مسرحياته"الجحيم هو الآخرون" [1]

والحالة الثانية حين يسحق كيان الفرد، وتسلب منه كل حرياته: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، ثم يقال له إن هذا يحدث من أجل المجموع! فيكره في دخيلة نفسه ذلك المجموع الذي يحرم من أجله من جميع حقوقه، وجميع حرياته. والحقيقة أنه لا يحرم من أجل المجموع! فالمجموع محروم مثله ما عدا أفرادًا قليلية على رأسهم"زعيم أوحد"مقدس، هم الذين في يدهم الأمر والنهي والسلطان، وباسم المجموع يسحقون كيان كل فرد من أفراد ذلك المجموع! وبالحديد والنار والجاسوسية تحكم هذه القلة مجموع الناس، وتسحقهم تحت أقدامها، وتقول لكل واحد وهي تسحقه: إنما نسحقك من أجل المجموع!

أما في غير هاتين الحالتين المتطرفتين، فقد تقع بالفعل صراعات بين الفرد والمجتمع، ولكنها لا تصل قط إلى صورة المعسكرين المتقابلين المتعاديين، اللذين تتعارض مصالحهما دائما، ولا يلتقيان أبدا!

الفرد والمجتمع في الحقيقة بنية حية واحدة مترابطة متشابكة وإن وقع الصراع بينهما في بعض الأحيان. فمن نفس الفرد نشأ المجتمع. من رغبته في الاجتماع بالآخرين وأنسه بهم، ومن حاجته إليهم كذلك.

(1) هذا هو عنوان المسرحية وخلاصتها أن"بطل"المسرحية يظل يتعذب من أول المسرحية إلى آخرها بلا سبب على الإطلاق إلا وجود آخرين حوله، وهم لا يؤذونه ولا يتعرضون له أدنى تعرض، ولكن وجودهم هو الذي يسبب له العذاب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت