وأيا كانت الضرورات التي يقال إنها أدت إلى نشأة المجتمع الأول فليست العبرة بتلك الضرورات! فلو لم تكن في نفس الفرد رغبة وفرحة بلقاء الآخرين، ما كانت هذه الضرورات لتنشئ المجتمع، بل كان البشر يهبطون إلى حالة التوحش، ويعيشون كما تعيش الوحوش في الغاب، كل كيان قائم بذاته، وكل كيان عدو لكل كيان آخر ..
بل إن من أنواع الحيوان والحشرات لما يعيش جماعات جماعات [1] .. ومنها ما يعيش ممالك منظمة أدق تنظيم [2] .. ومنها ما يعيش قبائل ذات مشيخات [3] .. !
والإنسان، الأرقى، أولى أن يعيش كذلك.
ولكن الإنسان عجيب التركيب. فهو شعبتان ذواتا أصل واحد: شعبة فردية، وشعبة جماعية. شعبة تجد راحتها في"تحقيق الذات"، في الشعور بالفردية المتميزة، وفي الخلوة أحيانا بعيدا عن الآخرين. وشعبة تجد راحتها في الاجتماع بالآخرين، ولو مقابل التنازل عن بعض الحقوق وبعض المشاعر وبعض الأفكار، وتجد ألما في العزلة والوحدة، لا يزيله إلا الاجتماع!
وبين هاتين الشعبتين يتنقل الإنسان أبدا بمشاعره وأفكاره وسلوكه العملي. ومن هنا يبدو متناقضا أو متأرجحا في بعض الأحيان، يقف الموقف ويقف نقيضه، أو يقف الموقف ولا يؤدي مقتضياته، لأنه مشدود بمقتضيات الموقف الآخر!
ولكنه في قدر معين من هذه الحركة الدائمة قائم في وضعه الطبيعي، الذي خلقه الله عليه، ليؤدي مهمة الخلافة في الأرض، ولا يحدث الخلل إلا حين يجنح بإحدى شعبتيه على حساب الأخرى، وغالبا ما يكون الجنوح بالشعبة الفردية أكثر. وإن كان الجنوح بالشعبة الجماعية يحدث عند النفوس الضعيفة التي تجزع من احتمال التبعة، فتستسهل اتباع الآخرين.
والإسلام يربي الشعبتين معا، ويوازن بينهما ليمنع الجنوح، سواء كان الجنوح بهذه الشعبة أو تلك.
ويربي الفرد والمجتمع في آن واحد.
وكل ذلك بمفتاح واحد .. لا إله إلا الله. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره!
فعبادة الله الواحد، التي تعني -فيما تعني- اتباع المنهج الرباني [4] ، تحدث هذه الموازنة في داخل النفس بين الشعبة الفردية والشعبة الجماعية، وتحدث الموازنة كذلك بين الفرد والمجتمع، فيحدث الانسجام والطمأنينة في داخل النفس، ويحدث مثل ذلك في داخل المجتمع بالقدر الذي يطيقه البشر، وبحسب درجة التزامهم بما أنزل الله.
يعطي الإسلام الفرد حقوقه، ويوجب عليه واجباته، ويحمله تبعة عمله فردا لا يحمل أحد عنه شيئا ولو كان ذا قربى، فيرسخ بذلك كله شخصيته الفردية. يصون دمه وعرضه وماله. ويعطيه الحق في الملكية الفردية. ويعطيه قدرا من حرية التصرف في البيع والشراء والتعامل مع الآخرين. ويجعله في الوقت ذاته مسئولا عن أعماله في الدنيا والآخرة. ويصله بربه فردا، يعبده ويناجيه ويدعوه ويتضرع إليه ويتطلع إليه .. فيربيه بذلك فردا قائما بذاته.
ثم يوجهه إلى مشاعر الحب والأخوة مع الآخرين، والتعاون معهم على البر والتقوى، والأمر لهم بالمعروف والنهي لهم عن المنكر، وتقبل النصيحة منهم وهي أمر منهم بالمعروف أو نهي منهم عن المنكر .. فيربيه بذلك فردا في مجتمع.
ويوازن بذلك بين شعبتيه في داخل نفسه ..
ثم يلزمه -فردا- بواجبات نحو ربه، ونحو أسرته، ونحو مجتمعه. ويلزم الجماعة مجتمعة بواجبات نحو ربها وواجبات نحو كل فرد من أفرادها، فيوازن بذلك بين الفرد والمجتمع.
ومفتاح الجميع واحد .. الإيمان بالله .. واتباع منهجه للحياة.
انظر إلى هذه التوجيهات لكل فرد بمفرده:
(1) كالفيلة، وقطعان الماشية.
(2) كالنمل والنحل.
(3) كالقردة.
(4) اقرأ إن شئت"مفهوم لا إله إلا الله"و"مفهوم العبادة من كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح"."