ثم ينقسم تاريخ الأمم المؤمنة إلى فترات ثلاث: الأمم القديمة قبل موسى عليه السلام، أمة نوح عليه السلام، وأمة هود، وأمة صالح، وأمة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم، ومن يكشف البحث عنهم من تلك الأمم. ثم تاريخ اليهود والنصارى حتى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ثم تاريخ الأمة الإسلامية من مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الوقت الحاضر.
ويبين في هذا التاريخ أن البشرية بدأت مؤمنة موحدة من لدن آدم عليه السلام، ثم طرأ عليها الانحراف بعد ذلك، كما يشار إلى وحدة العقيدة بين هذه الأمم جميعا: لا إله إلا الله. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وأن هذا الأصل الواحد لم يتطور ولم يتغير على مدى التاريخ الإيماني، وإنما تغيرت الشرائع بما يناسب كل قوم أرسل إليهم رسول. حتى جاءت الرسالة الخاتمة فاكتمل الدين، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمم كافة.
أما تاريخ الأمة الإسلامي فيركز فيه على فترات ثلاث، ليست فترات زمنية بقدر ما هي فترات"نوعية": فترة التطبيق الفائق (فترة الذروة) وما صاحبها من تمكين فائق. وفترة التطبيق العادي، وما صاحبها من زوال السلطان وغلبة الأعداء، وجريان ذلك كله حسب السنن الربانية التي لا تتبدل ولا تتحول، ولا تجابي أحدا من البشر. ثم يركز على الصحوة الإسلامي ودلالاتها بالنسبة للحاضر والمستقبل.
أما تاريخ الجاهليات فيمكن أن يتبع فيه التقسيم الذي يتخذه التفسير الليبرالي من قديم ووسيط وحديث، أو أي تقسيم آخر يراه المختصون المسلمون من زاوية رصدهم الخاصة، على أن يكون العنوان الشامل له هو"تاريخ الجاهليات"أو"تاريخ الحضارات الجاهلية"إن صح التعبير.
ويشار في هذا التاريخ إلى تشابه الجاهليات كلها في أصل واحد، هو عبادة غير الله، معه أو من دونه، وعدم اتباع المنهج الرباني في الحياة، ثم تفترق الجاهليات بعد ذلك فيكون لكل منها سماتها الخاصة المستمدة من ظروفها الخاصة.
ويمكن أن يشار في هذا التاريخ كذلك إلى"تطور"العقائد الجاهلية، لأنها من صنع البشر، ومن ثم تتأثر بأحوال البشر، ومدى علمهم بالكون من حولهم، ومدى سيطرة الوهم والخرافة عليهم.
كما ينبغي أن تخصص مساحة مناسبة لبيان انحرافات الجاهلية المعاصرة، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والفكر والفن .. إلخ، وبيان مجرى السنن الربانية مع هذه الانحرافات، من فتح الله عليهم أبواب كل شيء -ما عدا البركة والطمأنينة- ومن المعيشة الضنك برغم وفرة الإنتاج المادي، ومن بوادر الدمار التي بدأت تلوح في الآفاق، مع إشارة خاصة إلى وضع اليهود المسيطر في الجاهلية المعاصرة، وأسبابه التي أدت إليه، ومن أبرز هذه الأسباب غياب الأمة الإسلامية عن الساحة.
وبهذا التقسيم وبهذا البيان، تتضح معالم التاريخ، وتتضح السنن الربانية التي يجري من خلالها قدر الله، ويصبح التاريخ كما هو في حقيقته: قدر الله في الأرض، من خلال أعمال الإنسان، مرتبطا بسنن الله في الكون والحياة والإنسان.