إن فترة الخلفاء الراشدين لم تزد على ثلاثين عاما في عمر الزمن .. ولكنها في ميزان القيم أثقل من عمر إمبراطورية ظلت قائمة في الأرض عشرة قرون، بكل ما اشتملت عليه تلك الإمبراطورية من قوة مادية، وعمران مادي للأرض، وقوة حربية، وقوة سياسية، فقد كانت تلك السنوات القصيرة أعلى قمم صعدتها البشرية في تاريخها كله، بينما حفلت القرون العشرة بكل أنواع الظلم والطغيان، وإن احتوت على بعض الفضائل المتناثرة ها هنا وها هناك!
بل إن الفترة التي حكم فيها عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لم تزد في عمر الزمن على عامين اثنين وبضعة أشهر .. ولكن ما أعظمها في ميزان التاريخ!
إنها الصورة المثالية للتطبيق الإسلامي بعد التمكن في الأرض، حيث قام -ربما للمرة الوحيدة في التاريخ- مجتمع ليس فيه فقراء! مجتمع تكفل الدولة فيه كل فرد من أفراده، فإذا لم تجد فقراء تجري عليهم الأرزاق من بيت المال، بحثت عن كل بكر لم يتزوج فزوجته، وعن كل غارم فأدت عنه دينه.
جاء في كتاب الأموال لأبي عبيد (ص357 - 358) .
"كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن -وهو بالعراق- أن أخرج للناس أعطياتهم. فكتب إليه عبد الحميد: إني قد أخرجت للناس أعطياتهم وقد بقي في بيت مال المسلمين مال. فكتب إليه: أن انظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه. فكتب إليه: إني قد زوجت كل من وجدت وقد بقي في بيت مال المسلمين مال. فكتب إليه بعد مخرج هذا: أن انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه مايقوي به على أرضه فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين".
وجاء فيه (ص738) :"كتب عمر بن عبد العزيز: أن اقضوا عن الغارمين، فكتب إليه (الليث بن سعد) : إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث. فكتب عمر: إنه لا بد للمرء المسلم من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته! نعم! فاقضوا عنه فإنه غارم!".
فكم نساوي هذه الفترة القصيرة من عمر الجاهليات؟!
هذا إذن هو المعيار ..
كم حقق الإنسان من غاية وجوده على الأرض؟
والعمارة المادية للأرض، والقوة المادية، والقوة الحربية، والقوة السياسية، والبقاء الطويل في الأرض، كلها مقومات توضع في معيار التقويم، لأنها من مقومات الوجود اليشري في الأرض، ولكنها وحدها -بدون القيم المصاحبة لها- خفيفة الوزن جدا في ميزان التاريخ! إنما تأخذ وزنها الحقيقي، وتصبح معايير ترجح الكفة حين تمتلئ بمضمونها المتناسق مع غاية الوجود البشري في الأرض. فهذا المضمون هو الثقل الحقيقي في الميزان، وهو الذي يعطي الأشياء كلها قيمتها الحقيقية ووزنها الحقيقي. بدونه تصبح الحياة الدنيا لهوا عابثا لا قيمة له، وبوجوده تصبح من الباقيات الصالحات:
(وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [سورة الكهف: 46] .
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [سورة ص: 27 - 29] .
وبهذا المعيار الرباني ينقسم التاريخ ابتداء إلى قسمين كبيرين: تاريخ الأمة المؤمنة وعلى رأسها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، التي ناط الله بها أداء تكاليف الرسالة الخاتمة بعد الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الأمم غير المؤمنة، أي تاريخ الجاهليات.