الصفحة 87 من 110

ثم صارت"سيدة السياسة"هي أمريكا، التي ورثت بريطانيا وفرنسا وأجلتهما لتحل محلهما، فماذا فعلت؟ لقد ارتكبت في أقل من نصف قرن من الجرائم في حق البشرية ما فاق السيدة الأولى عدة أضعاف! بالانقلابات العسكرية التي يختار لها أشد الناس جنون عظمة وقسوة قلب وبغضا للإسلام خاصة! إذ كانت السيدة الجديدة هي التي تولت زعامة الصليبية في الوقت نفسه، وجندت نفسها أكثر من السيدة الأولى لخدمة اليهود! فصار همها الأول هو القضاء على الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، ولا بأس عندها -من باب"السياسة"- من استخدام الشيوعية ذاتها في وقت من الأوقات لحرب الإسلام، بشرط واحد، هو أن يظل الحبل بيدها، والسلطان لها! [1] .

وبريطانيا وأمريكا كلتاهما هما وريثتا الإمبراطورية الرومانية سيدة السياسة في التاريخ القديم، بل مؤسسة فن السياسة الميكيافلّي، الذي يعطي الشرعية للكذب والنفاق والغش والخديعة ونقض العهود والقتل والظلم والعدوان، بحسب المبدأ الشهير: الغاية تبرر الوسيلة! والغاية والوسيلة كلتاهما هي تحقيق حيوانية الإنسان ووحشيته! والبحث عن"الغلبة"بصرف النظر عن"الحق"! على مبدأ: افعل ما تشاء لكي تصبح قويا، فإذا أصبحت قويا فافعل ما تشاء!!

وصحيح أن القوة السياسية مطلوبة، والنقص فيها يعرض صاحبها للأخطار والمزالق، وهي جزء من"البصيرة"المطلوبة للمؤمن:

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [سورة يوسف: 108] .

ولكنها مطلوبة لهدف أكبر هو تثبيت الحق وحمايته، لكي لا يطمع فيه الطامعون .. فإذا انفصلت عن هدفها، وأصبحت غاية في ذاتها، فهي حينئذ سياسة الذئاب وليست سياسة"الإنسان". فكيف تعتبر -وحدها- معيارا للتقويم؟

وليس البقاء الطويل في الأرض هو المعيار.

حقيقة إنه من سنن الله أن الأمة الصالحة تمكن في الأرض زمانا طويلا، ولا يغير الله لها التمكين إلا أن تنحرف عن طريقها:

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة الأنفال: 53] .

(وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [سورة النحل: 112] .

ولكن هذه ليست السنة الوحيدة التي يجري الله بها أمور البشر في الأرض. فهناك - معها- سنة الإملاء للظالمين فترة تطول أو تقصر، مع التمكين لهم في الأرض، مما سبقت الإشارة إليه:

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: 44] .

فالبقاء في الأرض -وحده- ليس معيارا لشيء إن لم تصحبه القيم الجديرة بالإنسان. و"الزمن"في ذاته ليس شيئا يوضع في الميزان، إنما توضع القيم التي ملأت ذلك الزمن فأعطته مضمونه الإنساني.

(1) اقرأ إن شئت فقرة"الانقلابات العسكرية واستخدام الاشتراكية لحرب الإسلام"من كتاب"واقعنا المعاصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت