وليس المعيار هو العمارة المادية للأرض، فهذه العمارة وحدها -دون قيم مصاحبة- يمكن -بل يغلب- أن تؤدي إلى الترهل والترف من ناحية، وإلى الفتنة بالحياة الدنيا التي تهبط بالإنسان كلما أوغل فيها، حتى تفقده إنسانيته في النهاية.
وصحيح أن عدم القيام بالعمارة المادية نقص يعاب على صاحبه، لأن هذه العمارة جزء من مهمة الخلافة المطلوبة من الإنسان في الأرض، ولكنها وحدها لا تشكل معيارا، لأنها ليست مطلوبة لذاتها، إنما لهدف أعلى، هو حمل"الأمانة"التي أشفقت من حملها السموات والأرض والجبال وحملها الإنسان، فإذا لم تكن أداة معينة لحمل الأمانة، بل كانت على العكس من ذلك أداة لشغل الإنسان عن حملها، فكيف يعتبر مجرد القيام بها معيارا للتقويم؟!
ولييست القوة الحربية هي المعيار .. فهي دائما -بغير قيم مصاحبة- تؤدي إلى الطغيان والتجبر، والعدوان على الناس بغير الحق، واستلاب الأرض والأقوات من أصحابها، وإذلالهم وتحويلهم خدما لأصحاب القوة المعتدين.
صحيح أن فقدانها تقصير يؤاخذ عليه صاحبه، ويؤدي -في أغلب الأحوال إن لم يكن في كلها- إلى الهوان والذل، والتعرض للعدوان ممن يملك القوة. ولكنها -وحدها- ليست هدفا"إنسانيا"، وإنما هي أجدر أن تكون هي معيار الوجود بالنسبة للوحوش في الغاب، فشريعة الغاب الأساسية هي هذه: الحق لصاحب القوة، والقوي يأكل الضعيف! إنما هدفها بالنسبة للإنسان أن تكون هي الأداة التي يدفع الحق بها الباطل ويزيله من الوجود ليقوم الناس بالقسط:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [سورة الحديد: 25] .
(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [سورة البقرة: 251] .
فإذا لم تكن أداة لإحقاق الحق، وإزهاق الباطل، بل كانت على العكس من ذلك أداة لتثبيت الباطل ومنع الحق من أن يأخذ مجراه، فكيف يعتبر مجرد الحصول عليها معيارًا للتقويم؟!
وليست القوة السياسية هي المعيار .. فهي وحدها -بغير قيم مصاحبة- هي صنو القوة الحربية في العدوان على الآخرين!
لقد كانت بريطانيا"العظمى"! سيدة السياسة لمدة قرن كامل من الزمان أو أكثر فماذا فعلت؟ لقد ارتكبت من الجرائم في حق البشرية خلال هذا القرن الواحد ما لو وزع على التاريخ كله لمزجه! من كذب وخديعة ونقض للعهود وأكل لحقوق الناس وأموالهم وديارهم بالباطل، وإيقاع للخصومات بين الآمنين المتحابين على حسب سياستها الشهيرة:"فرق تسد"؛ ونال المسلمين من ذلك كله النصيب الأوفر، حيث كانت"بريطانيا العظمى!"هي في الوقت ذاته زعيمة الصليبية، القائمة -بالتحالف مع الصهيونية- على حرب الإسلام، والقضاء على دولته، وسلب أراضيه، وإذلال أهله.