الصفحة 63 من 110

ففي كل جاهلية طغاة يحكمون بغير ما أنزل الله، وعبيد يأتمرون بأمرهم ويتخذونهم أربابا لهم. وفي كل جاهلية كذلك فساد خلقي ينشأ من تفلت الناس من التكاليف إزاء شهوة المال وشهوة الجنس، وشهوة الاستمتاع بلا ضوابط ..

ولا بد من قوة مقابلة تدفع هذا الفساد. قوة المؤمنين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويجاهدون الفساد في الأرض، سواء كانت صورته هي طغيان التأله أو الانفلات مع الشهوات.

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [سورة الحديد: 25] .

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [سورة آل عمران: 110] .

وظاهر من تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الآية على الإيمان بالله الذي لا يتقدم عليه شيء في هذا الدين، أن لهذا الأمر أهميته القصوى في ميزان الإسلام، بل كأنما يراد أن يقال في الحقيقة إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الخلاصة الحقيقية أو الترجمة الحقيقية لهذا الدين في عالم الواقع. فهو الأداة البشرية التي اختارها الله لتمكين الحق وإزهاق الباطل وتغيير المنكر وإقامة حياة الناس في الأرض بالقسط.

وكما قلنا من قبل فإن الله لا يعجز عن إزالة الفساد من الأرض، بغير بشر يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في سبيل الله، لأنه يقول للشيء كن فيكون. ولو شاء الله لخلق البشر منذ البدء بحيث لا يعصون ولا ينحرفون، ولو شاء لقهر الناس على الهدى والاستقامة. ولكن مشيئة الله قد اقتضت أن يكون الإنسان حرا في نطاق معين، يختار لنفسه الهدى أو الضلال ثم يحتمل تبعة اختياره. فترتب على هذه المشيئة ابتداء أن يكون في الناس محسنون ومسيئون.

ثم اقتضت مشيئته كذلك أن يجري قدره في الحياة البشرية من خلال أعمال الإنسان، فترتب على ذلك أن يتم دفع الفساد الذي يحدثه فريق من البشر من خلال عمل يقوم به فريق آخر من البشر، فيبتلى هؤلاء بهؤلاء بقدر من الله.

(وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [سورة الأنعام: 35] .

(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [سورة يونس: 99] .

(ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) [سورة محمد: 4] .

من أجل ذلك جعل الله التدافع بين الناس سنة من سننه لكي لا تفسد الأرض، أو لكي لا يستقر الفساد في الأرض إن قام به فريق من البشر، بل تقوم فئة أخرى من البشر دائما بمدافعته فلا يستقر.

ليس كل صراع إذن مشروعا ولا مطلوبا في حياة البشر.

بل إن معظم الصراع الذي يقع في الأرض هو من الفساد الذي ينهى الله عنه، ويأمر بالجهاد لإزالته.

يتصارع الناس -في جاهليتهم- على متاع الأرض.

والمتاع في ذاته ليس مرذولا ولا ممنوعا ولا محرما:

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [سورة الأعراف: 32] .

(وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [سورة البقرة: 36] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت