(وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) [سورة هود: 94 - 95] .
(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [سورة هود: 102] .
(فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [سورة العنكبوت: 40] .
فإذا كانت هذه في الأمم السابقة سنة غالبة فهي بالنسبة لهذه الأمة وعد:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة النور: 55] .
ولكنه -كما ترى- وعد مشروط:
"الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات"
"يعبدونني لا يشركون بي شيئا"
كما أن له شرطا آخر، أو ملابسات أخرى.
فلا بد أن يكون قد تبلور وصفا، ووضح في نفوس أصحابه كما وضح في نفوس أعدائه:
(وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [سورة الأنعام: 55] .
وحين تستبين سبيل المجرمين تكون سبيل المؤمنين قد استبانت كذلك، ولم يعد هناك غبش حول الحق .. عند المؤمنين به والكافرين به سواء. وعندئذ يلتقي الحق والباطل في المعركة الفاصلة وقد تبين لكل فريقه موقفه على وجه التحديد، ووقف موقفه على بينه كاملة لا خفاء فيها:
(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) [سورة الأنفال: 42] .
وعندئذ يكون النصر من عند الله. وعدا خاصا لهذه الأمة حين توفي بالشرط ..
(ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [سورة المائدة: 54] .
لقد تفضل الله على هذه الأمة بأن أرسل إليها الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، وجعل رسالته إلى البشرية كافة، ولم يجعل من بعده نبيا يرسل إلى الناس:
(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [سورة الأحزاب: 40] .
فلزم أن تقوم أمته برسالته صلى الله عليه وسلم من بعده، فتدعو إلى الإيمان، وتنشر النور الرباني في الأرض، وتجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، وتكون شاهدة على كل البشرية:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [سورة البقرة: 143] .
(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة آل عمران: 104] .
وإذ تفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد تفضل عليها كذلك بوعد التمكين في الأرض .. كلما وفت لربها بالشرط ..