ولكن أوربا على أي حال قد أخطأت في تصورها من جانبين في آن واحد . الجانب الأول هو تصورها للدين الكنسي المحرف على أنه هو"الدين". وأن الخيار الوحيد أمامها هو إما البقاء في ذلك الدين مع الظلم والظلام والتأخر ، وإما الحياة بلا دين ( وذلك بعد أن عجزت حركات"الإصلاح الديني"عن إحداث تغيير جوهري في جوهر المشكلة ) . والجانب الآخر هو تصورها - بعد ما خرجت من الدين - أن التمكين في الأرض هو الغاية القصوى التي خلق الإنسان من أجلها ، وأنه إذا حققها بأي وسيلة فقد فاز ! وذلك تصور جاهلي من جميع أبعاده . فلا التمكين في الأرض - بأية وسيلة - هو غاية الوجود البشري ، ولا تحقيقه - وحده - علامة على"التفوق"بالمعيار الإنساني اللائق بالإنسان !
إن الله يعطي التمكين في الدنيا للكافر وللمؤمن معًا إذا توفرت من جانبه أسباب التمكين:
( كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (1) .
( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ) (2) .
بل إن الله - إذا شاء سبحانه - قد يعطي التمكين في الدنيا للكافر كلما أوغل في الكفر ، استدراجا له ليزداد كفرا وليحمل أوزاره كاملة يوم القيامة !
( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ .. ) (3) .
( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (4) .
(1) سورة الإسراء [ 20 ] .
(2) سورة هود [ 15 ] .
(3) سورة الأنعام [ 44 ] .
(4) سورة النحل [ 25 ] .