الصفحة 97 من 114

"ومن هذه الأمثلة التي قدمناها آنفًا عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة ، واستمر في الأجيال المتعاقبة ، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام ، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة . وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح" (1) .

إن الله قد أعد هذه الأمة إعدادًا خاصا لتحكم رقعة واسعة من الأرض بمن فيها من الأقليات غير المسلمة ، التي علم الله أنها ستكون ضمن رعايا الدولة الإسلامية الحاكمة في الأرض .

فكل أمة سابقة أرسل بعدها رسول ، آمنت بالرسول الذي أرسل إليها وكفرت بمن بعده ، وصار في قلبها غلُّ نحو الذين آمنوا بالرسول الجديد ولو كانوا من قومها الأقربين ، واضطهدتهم اضطهادا شديدا بسبب الخلاف في العقيدة .

أما هذه الأمة فقد قدر الله لها أن يكون رسولها هو الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ، الذي لا نبي بعده ولا رسول ، فلم يجعل في قلبها غِلاًّ لأحد . لا لمن قبلها ، لأن رسولها هو سيد البشر جميعًا وسيد المرسلين ، ولا لأحد يأتي بعدها ، لأنه لن تأتي بعدها أمة جديدة . ثم جعل الإيمان بالرسل السابقين جزءا من عقيدتها ، فلم تضطهد أتباعهم ، ولم تظلمهم بسبب الخلاف في العقيدة:

( الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (2) .

(1) ترجمة الدكتور حسن إبراهيم حسن وزميله ، طبع بالقاهرة .

(2) سورة البقرة [ 1 - 5 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت