{إنَّ هذا القُرْآنَ يَهْدي للتي هيَ أقْوَمُ}
تحديد"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" [1] ... مسألة ضرورية، لأسباب كثيرة:
ضرورية؛ لأنه لابد للمسلم من تفسير شامل للوجود، يتعامل على أساسه مع هذا الوجود ... لابد من تفسير يقرّب لإدراكه طبيعة الحقائق الكبرى التي يتعامل معها، وطبيعة العلاقات والارتباطات بين هذه الحقائق: حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية - وهذه تشتمل على حقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان - ... وما بينها جميعًا من تعامل وارتباط.
وضرورية لأنه لابد للمسلم من معرفة حقيقة مركز الإنسان في هذا الوجود الكوني، وغاية وجوده الإنساني ... فمن هذه المعرفة يتبين دور"الإنسان"في"الكون"وحدود اختصاصاته كذلك، وحدود علاقته بخالقه وخالق هذا الكون جميعًا.
وضرورية لأنه بناء على ذلك التفسير الشامل، وعلى معرفة حقيقة مركز الإنسان في الوجود الكوني وغاية وجوده الإنساني، يتحدد منهج حياته، ونوع النظام الذي يحقق هذا المنهج، فنوع النظام الذي يحكم الحياة الإنسانية رهين بذلك التفسير الشامل، ولابد أن ينبثق منه انبثاقًا ذاتيًا وإلا كان نظامًا مفتعلًا، قريب الجذور، سريع الذبول، والفترة التي يقدر له فيها البقاء، هي فترة شقاء"للإنسان"، كما أنها فترة صدام بين هذا النظام وبين الفطرة البشرية، وحاجات"الإنسان"الحقيقية! الأمر الذي ينطبق اليوم على جميع الأنظمة في الأرض كلها - بلا استثناء - وبخاصة في الأمم التي تسمى"متقدمة"! [2] .
وضرورية لأن هذا الدين جاء لينشئ أمة ذات طابع خاص متميز متفرد، وهي في الوقت ذاته أمة جاءت لقيادة البشرية، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من القيادات الضالة، والمناهج الضالة، والتصورات الضالة - وهو ما تعاني اليوم مثله مع اختلاف في الصور والأشكال - وإدراك المسلم لطبيعة التصور الإسلامي، وخصائصه ومقاومته، هو الذي يكفل له أن يكون عنصرًا صالحًا في بناء هذه الأمة، ذات الطابع الخاص المتفرد المتميز، وعنصرًا قادرًا على القيادة والإنقاذ، فالتصور الاعتقادي هو أداة التوجيه الكبرى، إلى جانب النظام الواقعي الذي ينبثق منه، ويقوم على أساسه، ويتناول النشاط الفردي كله، والنشاط الجماعي كله، في شتى حقول النشاط الإنساني،
ولقد كان القرآن الكريم قد قدم للناس هذا التفسير الشامل، في الصورة الكاملة، التي تقابل كل عناصر الكينونة الإنسانية، وتلبي كل جوانبها، وتتعامل مع كل مقوماتها ... تتعامل مع"الحس"و"الفكر"و"البديهة"و"البصيرة"... ومع سائر عناصر الإدراك البشري، والكينونة البشرية بوجه عام - كما تتعامل مع الواقع المادي للإنسان، هذا الواقع الذي ينشئه وضعه الكوني - في الأسلوب الذي يخاطب، ويوحي، ويوجه كل عناصر هذه الكينونة متجمعة، في تناسق، هو تناسق الفطرة كما خرجت من يد بارئها سبحانه!