الصفحة 2 من 114

وبهذا التصور المستمد مباشرة من القرآن، تكيفت الجماعة المسلمة الأولى، تكيفت ذلك التكيف الفريد، وتسلمت قيادة البشرية، وقادتها تلك القيادة الفريدة، التي لم تعرف لها البشرية - من قبل ولا من بعد - نظيرًا، وحققت في حياة البشرية - سواء في عالم الضمير والشعور، أو في عالم الحركة والواقع - ذلك النموذج الفذ الذي لم يعهده التاريخ، وكان القرآن هو المرجع الأول لتلك الجماعة، فمنه انبثقت هي ذاتها ... وكانت أعجب ظاهرة في تاريخ الحياة البشرية: ظاهرة انبثاق أمة من خلال نصوص كتاب! وبه عاشت، وعليه اعتمدت في الدرجة الأولى، باعتبار أن"السنة"ليست شيئًا آخر سوى الثمرة الكاملة النموذجية للتوجيه القرآني، كما لخصتها عائشة رضي الله عنها وهي تُسأَل عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجيب تلك الإجابة الجامعة الصادقة العميقة: (كان خلقه القرآن) [أخرجه النسائي] .

ولكن الناس بعدوا عن القرآن، وعن أسلوبه الخاص، وعن الحياة في ظلاله، عن ملابسة الأحداث والمقوّمات التي يشابه جوُّها الجوُّ الذي تنزّل فيه القرآن ... وملابسةُ هذه الأحداث والمقوّمات، وتَنسُّمُ جوها الواقعي، هو وحده الذي يجعل هذا القرآن مُدرَكًا وموحيًا كذلك، فالقرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالي البال من مكان الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقة، ومن معاناة هذا الأمر العسير وجرائره وتضحياته وآلامه، ومعاناة المشاعر المختلفة التي تصاحب تلك المكابدة في عالم الواقع، في مواجهة الجاهلية في أي زمان!

إن المسألة - في إدراك مدلولات هذا القرآن وإيحاءاته - ليست هي فهم ألفاظه وعباراته، ليست هي"تفسير"القرآن - كما اعتدنا أن نقول! المسألة ليست هذه، إنما هي استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب، تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التي صاحبت نزوله، وصاحبت حياة الجماعة المسلمة وهي تتلقاه في خضم المعترك ... معترك الجهاد ... جهاد النفس وجهاد الناس، جهاد الشهوات وجهاد الأعداء، والبذل والتضحية، والخوف والرجاء، والضعف والقوة، والعثرة والنهوض ... جو مكة، والدعوة الناشئة، والقلة والضعف، والغربة بين الناس ... جو الشَّعب والحصار، والجوع والخوف، والاضطهاد والمطاردة، والانقطاع إلا عن الله ... ثم جو المدينة: جو النشأة الأولى للمجتمع المسلم، بين الكيد والنفاق، والتنظيم والكفاح ... جو"بدر"و"أحد"و"الخندق"و"الحديبية"، وجو"الفتح"، و"حنين"و"تبوك"، وجو نشأة الأمة المسلمة ونشأة نظامها الاجتماعي والاحتكاك الحي بين المشاعر والمصالح والمبادئ في ثنايا النشأة وفي خلال التنظيم.

في هذا الجو الذي تنزلت فيه آيات القرآن حية نابضة واقعية ... كان للكلمات وللعبارات دلالاتها وإيحاءاتها، وفي مثل هذا الجو الذي يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد يفتح القرآن كنوزه للقلوب، ويمنح أسراره، ويشيع عطره، ويكون فيه هدى ونور ...

لقد كانوا يومئذ يدركون حقيقة قول الله لهم: {يَمنُّون عليك أن أسلموا، قل: لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] .

وحقيقة قول الله لهم: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا الله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه إليه تحشرون، واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذي ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب، واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض، تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} [الأنفال: 24 - 26] .

وحقيقة قول الله لهم: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران: 123] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت