وحقيقة قول الله لهم: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلَون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، ولقد كنتم تَمَنَّون الموت من قبل أن تلقوه، فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} [آل عمران: 139 - 143] .
وحقيقة قول الله لهم: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وَليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودًا لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين} [التوبة: 25، 26] .
وحقيقة قول الله لهم: {لتبلَوُن في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعُنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] .
كانوا يدركون حقيقة قول الله لهم في هذا كله، لأنه كان يحدثهم عن واقعيات في حياتهم عاشوها، وعن ذكريات في نفوسهم لم تغب معالمها، وعن ملابسات لم يبعد بها الزمن، فهي تعيش في ذات الجيل ...
والذين يعانون اليوم وغدًا مثل هذه الملابسات، هم الذين يدركون معاني القرآن وإيحاءاته، وهم الذين يتذوقون حقائق التصور الإسلامي كما جاء بها القرآن، لأن لها رصيدًا حاضرًا في مشاعرهم وفي تجاربهم، يتلقونها به، ويدركونها على ضوئه ... وهم قليل ...
ومن ثم لم يكن بد - وقد بعد الناس عن القرآن ببعدهم عن الحياة الواقعية في مثل جوه - أن نقدم لهم حقائق: التصور الإسلامي"عن الله والكون والحياة والإنسان من خلال النصوص القرآنية، مصحوبة بالشرح والتوجيه، والتجميع والتبويب، لا ليغنى هذا غناء القرآن في مخاطبة القلوب والعقول، ولكن ليصل الناس بالقرآن - على قدر الإمكان - وليساعدهم على أن يتذوقوه، ويلتمسوا فيه بأنفسهم حقائق التصور الإسلامي الكبير!"
على أننا نحب أن ننبه هنا إلى حقيقة أساسية كبيرة ... إننا لا نبغي بالتماس حقائق التصور الإسلامي، مجرد المعرفة الثقافية، لا نبغي إنشاء فصل في المكتبة الإسلامية، يضاف إلى ما عرف من قبل باسم"الفلسفة الإسلامية"، كلا! إننا لا نهدف إلى مجرد"المعرفة"الباردة، التي تتعامل مع الأذهان، وتحسب في رصيد"الثقافة"! إن هذا الهدف في اعتبارنا لا يستحق عناء الجهد فيه! إنه هدف تافه رخيص! إنما نحن نبتغي"الحركة"من وراء"المعرفة"، نبتغي أن تستحيل هذه المعرفة قوة دافعة، لتحقيق مدلولها في عالم الواقع، نبتغي استجاشة ضمير"الإنسان"لتحقيق غاية وجوده الإنساني، كما يرسمها هذا التصور الرباني، نبتغي أن ترجع البشرية إلى ربها، وإلى منهجه الذي أراده لها، وإلى الحياة الكريمة الرفيعة التي تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان، والتي تحققت في فترة من فترات التاريخ، على ضوء هذا التصور، عندما استحال واقعًا في الأرض، يتمثل في أمة، تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنماء.
ولقد وقع - في طور من أطوار التاريخ الإسلامي - أن احتكت الحياة الإسلامية الأصلية، المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح، بألوان الحياة الأخرى التي وجدها الإسلام في البلاد المفتوحة، وفيما وراءها كذلك، ثم بالثقافات السائدة في تلك البلاد.