واشتغل الناس في الرقعة الإسلامية - وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد، واستسلموا لموجات الرخاء ... وجدّت في الوقت ذاته في حياتهم من جراء الأحداث السياسية وغيرها مشكلات للتفكير والرأي والمذهبية - كان بعضها في وقت مبكر منذ الخلاف المشهور بين علي ومعاوية - اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية وبالمباحث اللاهوتية التي تجمعت حول المسيحية، والتي ترجمت إلى اللغة العربية ... ونشأ عن هذا الاشتغال الذي لا يخلو من طابع الترف العقلي في عهد العباسيين وفي الأندلس أيضًا، انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامي الأصيل، التصور الذي جاء ابتداء لإنقاذ البشرية من مثل هذه الانحرافات، ومن مثل هذه الاتجاهات، وردها إلى التصور الإسلامي الإيجابي الواقعي، الذي يدفع بالطاقة كلها إلى مجال الحياة، للبناء والتعمير، والارتفاع والتطهير، ويصون الطاقة أن تنفق في الثرثرة، كما يصون الإدراك البشري أن يطوح به في التيه بلا دليل.
ووجد جماعة من علماء المسلمين أن لابد من مواجهة آثار هذا الاحتكاك، وهذا الانحراف، بردود وإيضاحات وجدل حول ذات الله سبحانه وصفاته، وحول القضاء والقدر، وحول عمل الإنسان وجزائه، وحول المعصية والتوبة ... إلى آخر المباحث التي ثار حولها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي! ووجدت الفرق المختلفة خوارج وشيعة ومرجئة، قدرية وجبرية، سنية ومعتزلة .... إلى آخر هذه الأسماء.
كذلك وجد بين المفكرين المسلمين من فتن بالفلسفة الإغريقية - وبخاصة شروح فلسفة أرسطو - أو المعلم الأول كما كانوا يسمونه - وبالمباحث اللاهوتية -"الميتافيزيقية"- وظنوا أن"الفكر الإسلامي"لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله، أو مظاهر أبهته وعظمته، إلا إذا ارتدى هذا الزي - زي التفلسف والفلسفة - وكانت له فيه مؤلفات! وكما يفتن من اليوم ناس بأزياء التفكير الغربية، فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها، فحاولوا إنشاء"فلسفة إسلامية"كالفلسفة الإغريقية، وحاولوا إنشاء"علم الكلام"على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو!
وبدلًا من صياغة"التصور الإسلامي"في قالب ذاتي مستقل، وفق طبيعته الكلية، التي تخاطب الكينونة البشرية جملة، بكل مقوماتها وطاقاتها، ولا تخاطب"الفكر البشري"وحده خطابًا باردًا مصبوبًا في قالب المنطق الذهني ... بدلًا من هذا فإنهم استعاروا"القالب"الفلسفي ليصبوا فيه"التصور الإسلامي"، كما استعاروا بعض التصورات الفلسفية ذاتها، وحاولوا أن يوفقوا بينها وبين التصور الإسلامي ... أما المصطلحات فقد كادت تكون كلها مستعارة!
ولما كانت هناك جفوة أصيلة بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التي تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية ... فقد بدت"الفلسفة الإسلامية"- كما سميت - نشازًا كاملًا في لحن العقيدة المتناسق! ونشأ من هذه المحاولات تخليط كثير، شاب صفاء التصور الإسلامي، وصفر مساحته، وأصابه بالسطحية.
ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط، مما جعل تلك"الفلسفة الإسلامية"ومعها مباحث علم الكلام غريبة غربة كاملة على الإسلام، وطبيعته، وحقيقته، ومنهجه، وأسلوبه!