الصفحة 5 من 114

وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة - على الأقل! - سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى"الفلسفة الإسلامية"أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة ... ولكني أقرره، وأنا على يقين جازم بأن"التصور الإسلامي"لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ، إلا حين نلقي عنه جملة بكل ما أطلق عليه اسم"الفلسفة الإسلامية"، وبكل مباحث"علم الكلام"وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة في شتى العصور أيضًا! ثم نعود إلى القرآن الكريم، نستمد منه مباشرة"مقومات التصور الإسلامي"، مع بيان"خصائصه"التي تفرده من بين سائر التصورات، ولا بأس من بعض الموازنات - التي توضح هذه الخصائص - مع التصورات الأخرى - أما مقومات هذا التصور فيجب أن تستقى من القرآن مباشرة، وتصاغ صياغة مستقلة ... تمامًا.

ولعله مما يحتم هذا المنهج الذي أشرنا إليه أن ندرك ثلاث حقائق هامة:

الأولى:

أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامي من مخلفات الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحي، وكان له أثر في توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه، لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية، منقولة نقلًا مشوهًا مضطربًا في لغة سقيمة، مما ينشأ عنه اضطراب كثير في نقل هذه الشروح!

والثانية:

أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامي كانت تنم عن سذاجة كبيرة، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية، وعناصرها الوثنية العميقة، وعدم استقامتها على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد، مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة ... فالفلسفة الإغريقية نشأت في وسط وثنى مشحون بالأساطير، واستمدت جذورها من هذه الوثنية ومن هذه الأساطير، ولم تخل من العناصر الوثنية الأسطورية قط، فمن السذاجة والعبث - كان - محاولة التوفيق بينها وبين التصور الإسلامي القائم على أساس"التوحيد"المطلق العميق التجريد ... ولكن المشتغلين بالفلسفة والجدل من المسلمين، فهموا - خطأ - تحت تأثير ما نقل إليهم من الشروح المتأخرة المتأثرة بالمسيحية أن"الحكماء"- وهم فلاسفة الإغريق - لا يمكن أن يكونوا وثنيين، ولا يمكن أن يحيدوا عن التوحيد! ومن ثم التزموا عملية توفيق متعسفة بين كلام"الحكماء"وبين العقيدة الإسلامية، ومن هذه المحاولة كان ما يسمى"الفلسفة الإسلامية"!

والثالثة:

أن المشكلات الواقعية في العالم الإسلامي - تلك التي أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان رضي الله عنه قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية، وبالأفهام والمفهومات انحرافًا شديدًا، فلما بدأ المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية، بحثًا مغرضًا في الغالب ومن ثم لم تعد تلك المصادر - في ظل تلك الخلافات - تصلح أساسًا للتفكير الإسلامي الخالص، الذي ينبغي أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآني الثابت، في جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية، ومن ثم يحسن عزل ذلك التراث جملة! عن مفهومنا الأصيل للإسلام، ودراسته دراسة تاريخية بحتة، لبيان زوايا الانحراف فيه، وأسباب هذا الانحراف، وتجنب نظائرها فيما نصوغه اليوم من مفهوم التصور الإسلامي، ومن أوضاع وأشكال ومقومات النظام الإسلامي أيضًا ...

ولقد سارت مناهج الفكر الغربي في طريقها الخاص، مستمدة ابتداء من الفكر الإغريقي وما فيه من لوثة الوثنية، ثم مستمدة أخيرًا من عدائها للكنيسة، وللتفكير الكنسي في الغالب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت