الصفحة 6 من 114

وكان الطابع العام لهذا الفكر منذ عصر النهضة، وهو معارضة الكنيسة الكاثوليكية وتصوراتها، ثم - فيما عد - معارضة الكنيسة إطلاقًا، ومعارضة التصور الديني جملة ... والتصورات الكنسية - بصفة عامة - لم تكن في يوم من الأيام تمثل النصرانية الحقيقية، فإن الملابسات التي صاحبت نشأة النصرانية في ظل الدولة الرومانية الوثنية، ثم التي صاحبت دخول الدولة الرومانية في النصرانية قد جنت على النصرانية الحقة جناية كبرى، وحرفتها تحريفًا شديدًا، حرفتها ابتداء بما أدخلت فيها من رواسب الوثنية الرومانية، ثم بما أضافته الكنيسة والمجامع بعد ذلك من التأويلات والإضافات التي ضمت - مع الأسف - إلى الأصل الإلهي في النصرانية، لمجاراة الأحداث السياسية، والاختلافات المذهبية، ولمحاولة تجميع المذاهب وتجميع القطاعات المتعارضة في الدولة الرومانية في مذهب واحد يرضى عنه الجميع [3] ! مما جعل"النصرانية"تعبيرًا عن"التصور الكنسي"أكثر مما هي تعبير عن الديانة النصرانية المنزلة من عند الله.

ثم كان من جراء احتضان الكنيسة لهذه التصورات المنحرفة، ومن جراء احتضانها كذلك لكثير من المعلومات الخاطئة أو الناقصة عن الكون - مما هو من شأن البحوث والدراسات والتجارب البشرية - أن وقفت موقفًا عدائيًا خشنًا من العلماء الطبيعيين حين قاموا يصححون هذه المعلومات"البشرية"الخاطئة أو الناقصة، ولم تكتف بالهجوم الفكري عليهم، بل استخدمت سلطانهم المادي ببشاعة في التنكيل لكل المخالفين لتصوراتها الدينية والعلمية على السواء!

ومنذ ذلك التاريخ، وإلى اليوم، اتخذ"الفكر الأوربي"موقفًا عدائيًا لا من الأفكار والتصورات الكنسية التي كانت سائدة يومذاك، بل من الأفكار والتصورات الدينية على الإطلاق، بل تجاوز العداء الأفكار والتصورات الدينية إلى منهج التفكير الديني بجملته! واتجه الفكر الأوربي إلى ابتداع مناهج ومذاهب للتفكير، الغرض الأساسي منها هو معارضة منهج الكفر الديني، والتخلص من سلطان الكنيسة، بالتخلص من إله الكنيسة! ومن كل ما يتعلق به من أفكار ومن مناهج للتفكير أيضًا"وكمن العداء للدين وللمنهج الديني، لا في الموضوعات والفلسفات والمذاهب التي أنشأها الفكر الأوربي، بل في صميم هذا الفكر، وفي صميم المناهج التي يتخذها للمعرفة."

ومن ثم لم يعد نتاج الفكر الأوربي، ولا مناهج التفكير الأوربية تصلح لأن تتخذ أساسًا للفكر الإسلامي، ولا لتجديد هذا الفكر - كما يعبر بعض المفكرين المسلمين أنفسهم ... وسيرى قارئ هذا البحث - بعد فراغ منه - أنه لا سبيل لاستعارة مناهج الكفر الغربي، ولا استعارة نتاج هذا الفكر الذي قام على أساس هذه المناهج، للفكر الإسلامي!

منهجنا إذن في هذا البحث عن؛"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة - بعد الحياة في ظلال القرآن طويلًا - وأن نستحضر بقدر الإمكان - الجو الذي تنزلت فيه كلمات الله للبشر، والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التي كانت البشرية تتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدى، ثم التيه الذي ضلت فيه بعد انحرافها عن الهدي الإلهي!

ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقًا، لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية - من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته - نحاكم إليها نصوصه، أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت