لقد جاء النص القرآني - ابتداء - لينشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم، وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلي الكبير، وهذه الرعاية من الله ذي الجلال - هو الغني عن العالمين - أن يتلقوها وقد فرّغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نظيفًا من كل رواسب الجاهليات - قديمها وحديثها على السواء - مستمدًا من تعليم الله وحده، لا من ظنون البشر، التي لا تغني من الحق شيئًا!
ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى، إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداء، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا! وهذا - وحده - هو المنهج الصحيح، في مواجهة القرآن الكريم، وفي استلهامه خصائص التصور الإسلامي ومقوّماته.
ثم إننا لا نحاول استعارة"القالب الفلسفي"في عرض حقائق"التصور الإسلامي"اقتناعًا منا بأن هناك ارتباطًا وثيقًا بين طبيعة"الموضوع"وطبيعة"القالب"، وأن الموضوع يتأثر بالقالب، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه، إذا عرض في قالب، في طبيعته وفي تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعته! الأمر المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي، والذي يدركه من يتذوق حقيقة هذا التصور كما هي معروضة في النص القرآن!
نحن نخالف"إقبال"في محاولته صياغة التصور الإسلامي في قالب فلسفي، مستعار من القوالب المعروفة عند هيجل من"العقليين المثاليين"وعند أوجست كونت من"الوضعيين الحسيين".
إن العقيدة - إطلاقًا - والعقيدة الإسلامية - بوجه خاص - تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء، الإيحاء بالحقائق الكبيرة، التي لا تتمثل كلها في العبارة، ولكن توحي بها العبارة، كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذ المعرفة فيها، ولا يخاطب"الفكر"وحده في الكائن البشري ... أما الفلسفة فلها أسلوب آخر، إذ هي تحاول أن تحصر الحقيقة في العبارة، ولما كان نوع الحقائق التي تتصدى لها يستحيل أن ينحصر في منطوق العبارة - فضلًا عن جوانب أساسية من هذه الحقائق هي بطبيعتها أكبر من المجال الذي يعمل فيه"الفكر"البشري [4] - فإن الفلسفة تنتهي حتمًا إلى التعقيد والتخليط والجفاف، كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة!
ومن ثم لم يكن للفلسفة دور يذكر في الحياة البشرية العامة، ولم تدفع بالبشرية إلى الأمام شيئًا مما دفعتها العقيدة، التي تقدمت البشرية على حدائها في تيه الزمن، وظلام الطريق.
لابد أن تعرض العقيدة بأسلوب العقيدة، إذ أن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها، ويطفئ إشعاعها وإيجاءها، ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية الكثيرة.
ومن هنا يبدو التعقيد والجفاف والنقص والانحراف في كل المباحث التي تحاول عرض العقيدة بهذا الأسلوب الغريب على طبيعتها، وفي هذا القالب الذي يضيق عنها.
ولسنا حريصين على أن تكون هناك"فلسفة إسلامية"! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل في الفكر الإسلامي، ولا أن يوجد هذا القالب في قوالب الأداء الإسلامية! فهذا لا ينقص الإسلام شيئًا في نظرنا، ولا ينقص"الفكر الإسلامي"، بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه!
وكلمة أخرى في المنهج الذي نتوخاه في هذا البحث أيضًا ...