الصفحة 8 من 114

إننا لا نستحضر أمامنا انحرافًا معينًا من انحرافات الفكر الإسلامي، أو الواقع الإسلامي، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله، بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلي لنا فيما نبذله من جهد في تقرير"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"... إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور - في ذاتها - كما جاء بها القرآن الكريم، كاملة شاملة، متوازنة متناسقة، تناسق هذا الكون وتوازنه، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها.

ذلك أن استحضار انحراف معين، أو نقص معين، والاستغراق في دفعه، وصياغة حقائق التصور الإسلامي للرد عليه ... منهج شديد الخطر، وله معقباته في إنشاء انحراف جديد في التصور الإسلامي لدفع انحراف قديم ... والانحراف انحراف على كل حال!

ونحن نجد نماذج من هذا الخطر في البحوث التي تكتب بقصد"الدفاع"عن الإسلام في وجه المهاجمين له، الطاعنين فيه، من المستشرقين والملحدين قديمًا وحديثًا، كما نجد نماذج منه في البحوث التي تكتب للرد على انحراف معين، في بيئة معينة، في زمان معين!

يتعمد بعض الصليبيين والصهيونيين مثلًا أن يتهم الإسلام بأنه دين السيف، وأنه انتشر بحد السيف ... فيقوم منا مدافعون عن الإسلام يدفعون عنه هذا"الاتهام"! وبينما هم مشتطون في حماسة"الدفاع"يسقطون قيمة"الجهاد"في الإسلام، ويضيقون نطاقه ويعتذرون عن كل حركة من حركاته، بأنها كانت لمجرد"الدفاع"! - بمعناه الاصطلاحي الحاضر الضيق! - وينسون أن للإسلام - بوصفه المنهج الإلهي الأخير للبشرية - حقه الأصيل في أن يقيم"نظامه"الخاص في الأرض، لتستمع البشرية كلها بخيرات هذا"النظام"... ويستمتع كل فرد - في داخل هذا النظام - بحرية العقيدة التي يختارها، حيث"لا إكراه في الدين"من ناحية العقيدة ... أما إقامة"النظام الإسلامي"ليظلل البشرية كلها ممن يعتنقون عقيدة الإسلام وممن لا يعتنقونها، فتقتضي الجهاد لإنشاء هذا النظام وصيانته، وترك الناس أحرارًا في عقائدهم الخاصة في نطاقه، ولا يتم ذلك إلا بإقامة سلطان خير وقانون خير ونظام خير يحسب حسابه كل من يفكر في الاعتداء على حرية الدعوة وحرية الاعتقاد في الأرض!

وليس هذا إلا نموذجًا واحدًا من التشويه للتصور الإسلامي، في حماسة الدفاع ضد هجوم ماكر، على جانب من جوانبه!

أما البحوث التي كتبت للرد على انحراف معين، فأنشأت هي بدورها انحرافًا آخر، فأقرب ما نتمثل به في هذا الخصوص، توجيهات الأستاذ الإمام الشيخ"محمد عبده"، ومحاضرات"إقبال"في موضوع"تحديد الفكر الديني في الإسلام" [5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت