الصفحة 9 من 114

لقد واجه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، بيئة فكرية جامدة، أغلقت باب"الاجتهاد"وأنكرت على"العقل"دوره في فهم شريعة الله واستنباط الأحكام منها، واكتفت بالكتب التي ألفها المتأخرون في عصور الجمود العقلي وهي - في الوقت ذاته - تعتمد على الخرافات والتصورات الدينية العامية! كما واجه فترة كان"العقل"فيها يعبد في أوربا ويتخذه أهلها إلهًا، وخاصة بعد الفتوحات العلمية التي حصل فيها العلم على انتصارات عظيمة، وبعد فترة كذلك من سيادة الفلسفة العقلية التي تؤله العقل! وذلك مع هجوم من المستشرقين على التصور الإسلامي، وعقيدة القضاء والقدر فيه، وتعطيل العقل البشري والجهد البشري عن الإيجابية في الحياة بسبب هذه العقيدة ... الخ، فلما أراد أن يواجه هذه البيئة الخاصة، بإثبات قيمة"العقل"تجاه"النص"، وإحياء فكرة"الاجتهاد"ومحاربة الخرافة والجهل والعامية في"الفكر الإسلامي"... ثم إثبات أن الإسلام جعل للعقل قيمته وعمله في الدين والحياة، وليس - كما يزعم"الإفرنج"أنه قضى على المسلمين"بالجبر"المطلق وفقدان"الاختيار"... لما أراد أن يواجه الجمود العقلي في الشرق، والفتنة بالعقل في الغرب، جعل"العقل"البشري ندًّا للوحي في هداية الإنسان، ولم يقف به عند أن يكون جهازًا - من أجهزة - في الكائن البشري، يتلقى الوحي، ومنع أن يقع خلاف ما بين مفهوم العقل وما يجئ به الوحي، ولم يقف بالعقل عند أن يدرك ما يدركه، ويسلم بما هو فوق إدراكه، بما أنه - هو والكينونة الإنسانية بجملتها - غير كلي ولا مطلق، ومحدود بحدود الزمان والمكان، بينما الوحي يتناول حقائق مطلقة في بعض الأحيان كحقيقة الألوهية، وكيفية تعلق الإرادة الإلهية بخلق الحوادث ... وليس على العقل إلا التسليم بهذه الكليات المطلقة، التي لا سبل له إلى إدراكها [6] ! وساق حجة تبدو منطقية، ولكنها من فعل الرغبة في تقويم ذلك الانحراف البيئي الخاص الذي يحتقر العقل ويهمل دوره ... قال رحمه الله في رسالة التوحيد.

"فالوحي بالرسالة الإلهية أثر من آثار الله، والعقل الإنساني أثر أيضًا من آثار الله في الوجود، وآثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض، ولا يعارض بعضها بعضًا"...

وهذا صحيح في عمومه ... ولكن يبقى أن الوحي والعقل ليسا ندين، فأحدهما أكبر من الآخر وأشمل، وأحدهما جاء ليكون هو الأصل الذي يرجع إليه الآخر، والميزان الذي يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته، ويصحح به اختلالاته وانحرافاته، فبينما - ولا شك - توافق وانسجام، ولكن على هذا الأساس، لا على أساس أنهما ندان متعادلان، وكفو أحدهما تمامًا للآخر! فضلًا عن أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع، وإنما هو"مثال"!

وقد تأثر تفسير الأستاذ الإمام لجزء"عم"بهذه النظرة تأثرًا واضحًا، وتفسير تلميذه المرحوم الشيخ رشيد رضا وتفسير تلميذه الأستاذ الشيخ المغربي لجزء"تبارك"، حتى صرح مرات بوجوب تأويل النص ليوافق مفهوم العقل! وهو مبدأ خطر، فإطلاق كلمة"العقل"يرد الأمر إلى شيء غير واقعي! - كما قلنا - فهناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعقل علان ... وليس هنالك عقل مطلق لا يتناوبه النقص والهوى والشهوة والجهل يحاكم النص القرآني إلى"مقرراته"، وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثيرة، فإننا ننتهي إلى فوضى!

وقد نشأ هذا كله من الاستغراق في مواجهة انحراف معين ... ولو أخذ الأمر - في ذاته - لعرف للعقل مكانه ومجال عمله بدون غلو ولا إفراط، وبدون تقصير ولا تفريط كذلك، وعرف للوحي مجاله، وحفظت النسبة بينهما في مكانها الصحيح ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت