الصفحة 10 من 114

إن"العقل"ليس منفيًا ولا مطرودًا ولا مهملًا في مجال التلقي عن الوحي، وفهم ما يتلقى وإدراك ما من شأنه أن يدركه، مع التسليم بما هو خارج عن مجاله، ولكنه كذلك ليس هو"الحكم"الأخير، وما دام النص مُحكمًا، فالمدلول الصريح للنص من غير تأويل هو الحكم، وعلى العقل أن يتلقى مقرراته هو من مدلول هذا النص الصريح، ويقيم منهجه على أساسه- وفي صلب هذا البحث تفصيل واف للحد المأمون والمنهج الإسلامي المستقيم -

ولقد واجه"إقبال"في العالم الشرقي بيئة فكرية"تائهة!"في غيبوبة"إشراقات"التصوف"العجمي"كما يسميه! فراغه هذا"الفناء"الذي لا وجود فيه للذاتية الإنسانية، كما راعته"السلبية"التي لا عمل معها للإنسان ولا أثر في هذه الأرض، وليس هذا هو الإسلام بطبيعة الحال - كما واجه من ناحية أخرى التفكير الحسي في المذهب الوضعي، ومذهب التجريبيين في العالم الغربي، كذلك واجه ما أعلنه نيتشه في"هكذا قال زرادشت"عن مولد الإنسان الأعلى - السوبرمان - وموت الإله! وذلك في تخبطات الصرع التي كتبها نيتشه وسماها بعضهم"فلسفة"!

وأراد أن ينفض"الفكر الإسلامي"وعن"الحياة الإسلامية"ذلك الضياع والفناء والسلبية، كما أراد أن يثبت للفكر الإسلامي واقعية"التجربة"التي يعتمد عليها المذهب التجريبي ثم المذهب الوضعي!

ولكن النتيجة كانت جموحًا في إبراز الذاتية الإنسانية، اضطر معه إلى تأويل بعض النصوص القرآنية تأويلًا تأباه طبيعتها، كما تأباه طبيعة التصور الإسلامي، لإثبات أن الموت ليس نهاية للتجربة، ولا حتى القيامة، فالتجربة والنمو في الذات الإنسانية مستمران أيضًا - عند إقبال - بعد الجنة والنار، مع أن التصور الإسلامي حاسم في أن الدنيا دار ابتلاء وعمل، وأن الآخرة دار حساب وجزاء، وليست هنالك فرصة للنفس البشرية للعمل إلا في هذه الدار، كما أنه لا مجال لعمل جديد في الدار الآخرة بعد الحساب والجزاء ... ولكن هذا الغلو إنما جاء من الرغبة الجازفة في إثبات"وجود"الذاتية، واستمرارها، أو أل"أنا"كما استعار إقبال من اصطلاحات هيجل الفلسفية.

ومن ناحية أخرى اضطر إلى إعطاء اصطلاح"التجربة"مدلولًا أوسع مما هو في"الفكر الغربي"وفي تاريخ هذا الفكر، لكي يمد مجاله إلى"التجربة الروحية"التي يزاولها المسلم ويتذوق بها الحقيقة الكبرى،"فالتجربة"بمعناها الاصطلاحي الفلسفي الغربي، لا يمكن أن تشمل الجانب الروحي أصلًا! لأنها نشأت ابتداء لنبذ كل وسائل المعرفة التي لا تعتمد على التجربة الحسية.

ومحاولة استعارة الاصطلاح الغربي، هي التي قادت إلى هذه المحاولة، التي يتضح فيها الشد والجذب والجفاف أيضًا، حتى مع شاعرية إقبال الحية المتحركة الرفافة!

ولست أبتغي أن أنقص من قدر تلك الجهود العظيمة المثمرة في إحياء الفكر الإسلامي وإنهاضه التي بذلها الأستاذ الإمام وتلاميذه، والتي بذلها الشاعر إقبال ... رحمهم الله رحمة واسعة ... وإنما أريد فقط التنبيه إلى أن دفعة الحماسة لمقاومة انحراف معين، قد تنشئ هي انحرافًا آخر، وأن الأوْلى في منهج البحث الإسلامي، هو عرض حقائق التصور الإسلامي في تكاملها الشامل، وفي تناسقها الهادئ، ووفق طبيعتها الخاصة وأسلوبها الخاص ...

وأخيرًا ...

فإن هذا البحث ليس كتبًا في"الفلسفة"ولا كتابًا في"اللاهوت"ولا كتابًا في"الميتافيزيقا"... إنه عمل يمليه الواقع، وهو يخاطب الواقع أيضًا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت