وفي الوقت نفسه يفترق عن"الوضعية الحسية"التي تتخذ من الطبيعة إلهًا يخلق العقل! ويخلق المدركات العقلية! فالله - في التصور الإسلامي - هو خالق"الطبيعة"وخالق"الإنسان"! والعقل الإنساني يدرك نواميس الطبيعة، ويتعلم قوانينها، ويتعرف إلى طاقاتها ومدخراتها، ويؤثر فيها تأثيرًا إيجابيًا، ويتأثر بها تأثرًا حسيًا وعقليًا ... في توازن واعتدال.
وكأنما كان الإسلام - بل هو كان - ينظر من وراء القرون إلى هذه اللوثات التي ستصيب البشرية، على أيدي"الفلاسفة"و"المفكرين"المحدثين ... من"مثالية عقلية"إلى"وضعية حسية"إلى"مادية جدلية"... فصاغ تصوره في هذا التوازن العجيب، الشامل المتكامل، ليستقر منه الضمير البشري على قرار ثابت، وليعود إليه الإدراك الفصل، ويجد عنده الهدى والنور في متاهات العقول والأهواء؟
وصدق الله العظيم: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] ، {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، وعمل صالحًا، وقال: إنني من المسلمين} [فصلت: 33] .
فأما المدلول الثاني للواقعية في التصور الإسلامي، فيتعلق بطبيعة المنهج الذي يقدمه للحياة البشرية، وواقعية هذا المنهج، مع طبيعة الإنسان، وطبيعة الظروف التي تحيط بحياته في الكون، ومدى طاقاته الواقعية الحقيقية:
إن"الإنسان"- في التصور الإسلامي - هو هذا"الإنسان"الذي نعهده، هذا الإنسان بقوته وضعفه، بنوازعه وأشواقه، بلحمه ودمه وأعصابه، بجسمه وعقله وروحه ... إنه ليس الإنسان كما يريده خيال جامح، أو كما يتمناه حلم سابح مع قضايا ذهنية من قضايا المنطق الشكلي! كما أنه ليس الإنسان الذي يضعه المنطق الوضعي في أسفل سافلين، ويجعله مخلوقًا من مخلوقات هذه"المادة"الصماء! أو من مخلوقات"الاقتصاد"!
إنه الإنسان الذي خلقه الله ليستخلفه في هذه الأرض، فيقوم فيها بالخلافة الحركية الإيجابية، التي تنشئ وتبدع في عالم المادة ما يتم به قدر الله في الأرض والأحياء والناس.
إنه الإنسان"الواقعي"كما أسلفنا، ومن ثم فإن المنهج الذي يرسمه له الإسلام منهج واقعي كذلك، منهج حركي، تنطبق حدوده على حدود طاقات الإنسان، وتكوينه وواقعية لحمه ودمه وأعصابه، وجسمه وعقله وروحه، الممتزجة في ذلك الكيان.
والمنهج الإسلامي للحياة - على كل رفعته ونظافته وربانيته ومثاليته - هو في الوقت ذاته منهج لهذا الإنسان - في حدود طاقاته الواقعية - ونظام لحياة هذا الكائن البشري الذي يعيش على هذه الأرض، ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج ويتناسل ويحب ويكره، ويرجو ويخاف، ويزاول كل خصائص الإنسان الواقعي كما خلقه الله.
وهو يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان، وطاقاته واستعداداته، وفضائله ورذائله وقوته وضعفه ... فلا يسوء ظنه بهذا الكائن، ولا يحتقر دوره في الأرض، ولا يهدر قيمته في صورة ما من صور حياته، كما أنه لا يرفع هذا الإنسان إلى مقام الألوهية، ولا يخلع عليه شيئًا من خصائصها، كذلك لا يتصوره ملكًا نورانيًا شفيفًا لا يتلبس بمقتضيات التكوين المادي، ومن ثم لا يستقذر دوافع فطرته ومقتضيات هذا التكوين الفطري.
ومع اعتبار المنهج الإسلامي لإنسانية الإنسان من جميع الوجوه فهو وحده الذي يملك أن يصل به إلى أرفع مستوى، وأكمل وضع، يبلغ إليه الإنسان، في أي زمان وفي أي مكان.
وليس هنا مكان تفصيل هذه الحقيقة، فسيجئ موضعها في القسم الثاني من هذا البحث عند الكلام عن حقيقة الإنسان ... فنكتفي هنا بهذا القدر، لنخلص منه إلى بعض النصوص، التي تصور واقعية المنهج الإسلامي، وانطباقها على واقعية الكائن الإنساني، مع الهتاف له دائمًا بالرفعة والطهارة، وبلوغ أقصى كماله المقدر له في حدود فطرته.