الصفحة 99 من 114

كذلك يتعامل التصور الإسلامي مع الإنسان ... مع هذا الإنسان الواقعي، الممثل في هؤلاء البشر كما هم، بحقيقتهم الموجودة! مع هذا الإنسان ذي التركيب الخاص، والكينونة الخاصة، الإنسان من لحم ودم وأعصاب، وعقل ونفس وروح، الإنسان ذي النوازع والأشواق، والرغائب والضرورات، الإنسان الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ويحيا ويموت، ويبدأ وينتهي، ويؤثر ويتأثر، ويحب ويكره، ويرجو ويخاف، ويطمع ويياس، ويعلو وينحط، ويؤمن ويكفر، ويهتدي ويضل، ويعمر الأرض أو يفسد فيها ويقتل الحرث والنسل، إلى أخر سمات الإنسان الواقعي، وصفاته المميزة ...

{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا} [النساء: 1] .

{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13] .

{سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 36] .

{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظامًا، فكسونا العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 12 - 14] .

{هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا، إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا} [الإنسان: 1 - 3] .

{قتل الإنسان! ما أكفره! من أي شيء خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره} [عبس: 17 - 22] .

{وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا، فلما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه، كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} [يونس: 12] .

{وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذًا لهم مكر في آياتنا، قل الله أسرع مكرًا، إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} [يونس: 21] .

{ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة، ثم نزعناها، إنه ليئوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته، ليقولن: ذهب السيئات عني، إنه لفرح فخور، إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات، أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} [هود: 9 - 11] .

{ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد"..."ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد} [البقرة: 204 - 207] .

وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع"الإنسان"الذي هو كائن واقعين له خصائصه، وله مشخصاته وله فاعليته وله انفعاله، وله تأثره وله تأثيراته ... لا مع معنى مجرد، أو فرض من الفروض لا رصيد له من الواقع.

إنه لا يتعامل مع"الإنسانية"كمعنى مجرد، ولا يتخذها إلهًا يتوجه إليه بالعبادة [62] بينما هذا المعنى المجرد لا وجود له، أو لا ضابط لهن في عالم الواقع ... ولا يتعامل مع"العقل المطلق" [63] ، ككائن مشخص، لأن العقل المطلق ليست له كينونة واقعية، إنما هناك العقل المفرد، في كل فرد على حدة، ومن ثم فليس هو الذي يخلق الكون أو يخلق الروح [64] .

إنه يختلف عن"المثالية العقلية"التي تتعامل مع مقولات عقلية بحتة، لا صلة لها بالموجودات المؤثرة والمتأثرة في الكون والحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت