الصفحة 98 من 114

{أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها، وما لها من فروج، والأرض مددناها، وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، ونزلنا من السماء ماء مباركًا، فأنبتنا به جنات وحب الحصيد، والنخل باسقات لها طلع نضيد، رزقًا للعباد وأحيينا به بلدة ميتًا، كذلك الخروج} [ق: 6 - 11] .

{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وهو العزيز الغفور، الذي خلق سبع سماوات طباقًا، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فارجع البصر، هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسئًا، وهو حسير، ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح، وجعلناها رجومًا للشياطين} [الملك: 1 - 5] .

{ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظل؟ ولو شاء لجعله ساكنًا، ثم جعلنا الشمس عليه دليلًا، ثم قبضناه إلينا قبضًا يسيرًا، وهو الذي جعل لكم الليل لباسًا والنوم سباتًا، وجعل النهار نشورًا، وهو الذي أرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته، وأنزلنا من السماء ماء طهورًا، لنحيي به بلدة ميتًا، ونسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسىّ كثيرًا} [الفرقان: 45 - 49] .

وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع كون له وجود واقعي، يختلف بطبيعة الحال عن"وجود الله"سبحانه، ولكنه وجود له خصائص مدركه من واقع هذا العالم، وليست منتزعة من تصورات ذهنية مجردة، ولا من دعاوى يمليها الهوى من غير دليل!

وتتضح واقعية هذا الكون في التصور الإسلامي، حين نستعرض - على سبيل المثال - تصور"البراهمية"، واعتبارها أن الوجود الواحد هو وجود"براهما"- الإله الأعظم - أما هذا الكون المادي فهو"عدم محض يقابل ذلك"الوجود"... غير أن"الوجود"حلّ في"العدم"ومن ثم وجد الشر في العالم، لأن الوجود خير محض وكما محض، أما العدم، فهو شر محض أو نقص محض، وخطة الإنسان للتخلص من الشر - وهو كل ما له جسم - تنحصر من هذا الجسم، لكي يعود"الوجود"الذي فيه إلى وصفه المطلق، وينطلق من إسار هذا"العدم"الناقص الشرير الذي حل فيه!"

كذلك تتضح واقعية الكون في التصور الإسلامي، حين نراجع تصور أفلاطون لهذا الوجود المادي، وأنه مجرد ظل لعالم المثل، فالشجرة التي تراها هي ظل لمثال الشجرة المكنون في العقل المطلق! وهو ناقص لا يمثل كمال المثال الذي هو في عقل الإله و"النفس الكلية"- التي هي من عالم المثل - هي الصلة بين الأشياء"المثالية"كما هي في العقل المطلق، والأشياء الصورية ظلال المثل - غير الحقيقية - التي هي في عالم المادة، الذي نلمسه ونراه!

وأفلوطين - كما تقدم - يرى أن هناك"الأحد"وهو الإله، وقد صدر عنه"العقل"وعن العقل صدرت الروح أو"النفس الكلية"وهذه أوجدت العالم المحسوس نيابة عن العقل! - وهذا العالم المحسوس أصله المادة، وهي أحط الموجودات، وهي"ظلام"! وهي شر وفساد! ... الخ ... الخ.

وحين توازن هذه التصورات المنتزعة من لا شيء! إلا من خيالات العقل البشري وتأويلاته، دون تلبس بواقعيات هذا الكون وحقائقه الموضوعية ... حين توازن هذه التصورات بالتصور الإسلامي، كما تمثله تلك النصوص القرآنية التي سردناها - وراءها في القرآن كثير - يتبين معنى"الواقعية"الذي نعنيه في التصور الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت