وإن هذا التصور ليكفل تجمع الشخصية والطاقة في كيان المسلم الفرد والجماعة، وينفي التمزق والانفصام والتبدد، التي تسببها العقائد والتصورات الأخرى ...
فالكينونة الإنسانية - التي هي وحدة أصل خلقتها - تواجه ألوهية واحدة تتعامل معها في كل نشاط لها، تتعامل مع هذه الألوهية اعتقادًا وشعورًا، وتتعامل معها عبادة واتجاهًا، وتتعامل معها تشريعًا ونظامًا ... وتتعامل معها في الدنيا والآخرة أيضًا ...
إنها لا تتوزع في الاعتقاد بآلهة مختلفة، أو بعناصر مختلفة في الألوهية الواحدة! أو بقوى مختلفة بعضها داخل في حوزة الإله وبعضها خارج عليه مضاد له! أو بعوامل مختلفة فيها ما يقهر الإله ذاته، وليس لها هي قانون يعرف فيتفاهم معه! أو بقوى"الطبيعة"التي ليس لها كيان محدد ولا ناموس مفهوم!
وهي لا تتوزع في التوجه بالاعتقاد والشعور والعبادة إلى جهة، والتلقي في نظام الحياة الواقعية من جهة أخرى، إنما هي تتلقى من مصدر واحد في هذا وذلك، وتتبع ناموسًا واحدًا يحكم الضمير والشعور، كما يحكم الحركة والعمل ... وهو ناموس لا يحكم الكينونة الإنسانية وحدها، إنما يحكم الكون كله كذلك ... فالكينونة الإنسانية حينما تعامل مع هذا الكون تتعامل معه في ظل هذا الناموس الواحد، بلا توزع ولا تمزق كذلك في هذا المجال.
وهذا التجمع ينشئ طاقة هائلة، لا يقف في وجهها شيء، وهذا بعض أسرار الخوارق التي أنشأتها العقيدة الإسلامية في الحياة والتاريخ البشري، فمن هذا التصور انبثقت تلك الطاقة الموحدة، التي صنعت هذه الخوارق ... الطاقة المتجمعة في ذاتها، المتجمعة كذلك مع الطاقات الكونية المتصالحة معها، لأنها تتجمع وإياها في الناموس الواحد، المتجه إلى الألوهية الواحدة، كما بينا قبل في الحديث عن خاصية الشمول.
ثم نجئ إلى الأثر المتفرد الذي ينشئه التصور الإسلامي في ضمير المسلم وفي حياته، وفي كيانه المجتمع المسلم وفي نشاطه بخاصية التوحيد التي يتضمنها ويقوم عليها ...
إنه ... تحرير الإنسان ... أو هو بتعبير آخر ... ميلاد الإنسان ...
إنه توحد الألوهية وتفردها بخصائص الألوهية، واشتراك ما عدا الله ومن عداه في العبودية وتجردهم من خصائص الألوهية ... إن هذا معناه ومقتضاه: ألا يتلقى الناس الشرائع في أمور حياتهم إلا من الله، كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر إلا لله، توحيدًا للسلطان الذي هو أخص خصائص الألوهية، والذي لا ينازع الله فيه مؤمن، ولا يجترئ عليه إلا كافر ...
والنصوص القرآنية تؤكد هذا المعنى وتحدده وتجرده، بما لا يدع مجالًا لشك فيه أو جدال؛ {إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إيّاه، ذلك الدين القيم} [يوسف: 40] ، {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟} [الشورى: 21] ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} [النساء: 65] .
ولا يفرق التصور الإسلامي - كما أسلفنا - بين التوجه لله بالشعائر، والتلقي منه في الشرائع ... لا يفرق بينها بوصفهما من مقتضيات توحيد الله، وإفراده سبحانه بالألوهية، كما أنه لا يفرق بينهما في أن الحيدة عن أي منهما تخرج الذي يحيد من الإيمان والإسلام قطعًا، كما رأينا في النصوص السابقة ... وكما يثبته نص قرآني يجمع بين المعنيين وتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا النص؛ {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله - والمسيح ابن مريم - وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] .