فأهل الكتاب الذين تتحدث عنهم الآية، اتخذوا المسيح ابن مريم ربًا بمعنى ربوبية العبادة والشعائر، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا - لا بهذا المعنى ولكن بمعنى التلقي عنهم في الشرائع والأوامر - ولكن الآية جمعت بين اتخاذهم المسيح ربا واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا، وقررت أن هذا كله مخالف لما أمروا به من عبادة إله واحد، ودمغتهم بالشرك بسبب اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا للتشريع ... ولهذا دلالته التي لا تقبل الجدال.
ثم جاء تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للآية قاطعًا في هذا الاعتبار وفوق كل جدال ...
روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير - من طرق - عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأُسِرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغّبته في الإسلام، وفي القدوم على الرسول صلى الله عليه وسلم فقدم عدي إلى المدينة - وكان رئيسًا في قومه طيئ - فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقه - أي عدي - صليب من فضة، وهو - أي النبي صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} ... قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: (بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم) ...
وقال السدى في تفسير ذلك: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا} ، أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ ...
والتصور الإسلامي بهذا القطع الحاسم في هذه المسألة يعلن"تحرير الإنسان"بل يعلن ... ميلاد الإنسان ...
إنه بهذا الإعلان يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده،"والإنسان"بمعناه الكامل لا يوجد في الأرض، إلا يوم تتحرر رقبته، وتتحرر حياته، من سلطان العباد - في أية صورة من الصور - كما يتحرر ضميره واعتقاده من هذا السلطان سواء.
والإسلام - وحده - يرد أمر التشريع والحاكمية لله وحده - هو الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
إن الناس في جميع الأنظمة التي يتولى التشريع والحاكمية فيها البشر - في صورة من الصور - يقعون في عبودية العباد ... وفي الإسلام - وحده - يتحررون من هذه العبودية للعباد بعبوديتهم لله وحده.
وهذا هو"تحرير الإنسان"في حقيقته الكبيرة ... وهذا - من ثم - هو"ميلاد الإنسان"... فقبل ذلك لا يكون للإنسان وجوده"الإنساني"الكامل، بمعناه الكبير، الوحيد ...
وهذه هي الهدية الربانية التي يهديها للناس في الأرض بعقيدة التوحيد ... وهذه هي النعمة الإلهية التي يمن الله بها على عباده وهو يقول لهم: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينًا} ...
وهذه هي الهدية التي يملك أصحاب عقيدة التوحيد أنه يهدوها - بدورهم - للبشرية كلها، وهذه هي النعمة التي يملكون أن يفيضوا منها على الناس، بعد أن يفيضوها على أنفسهم، ويرضوا منها ما رضيه الله لهم.
وهذا هو الجديد الذي يملك أصحاب عقيدة التوحيد أن يتقدموا به للبشرية اليوم، كما تقدم به أسلافهم بالأمس فتلقته البشرية يومها كما تتلقى الجديد، ولم تستطع أن تقاوم جاذبيته لأنه يمنحها ما لا تملك، فهو شيء آخر غير كل ما لديها من تصورات وعقائد، وأفكار وفلسفات، وأنظمة وأوضاع ... بكل تأكيد ...